بعد اكتشاف مصرف لبنان «التهريبات» التي كانت تحصل عبر قروض وهمية أو قروض لها أصل واقعي يجري التلاعب فيه لتهريب الأموال والسطو عليها بعلم المصارف ومعرفتها ومن دون قصدها أحياناً، عدّل آلية دعم القروض، ومنها القروض السكنية. وها هو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، يردد أمام زواره أنّ حجم سوق القروض السكنية ارتفع إلى 3000 مليار ليرة سنوياً، وأن هذا الرقم غير طبيعي في ضوء معاناة قطاع العقارات من ركود المبيعات وانخفاض الأسعار وفي ضوء حجم التعثّر الواضح في القروض المقدّمة لتجار العقارات!

هذه ليست فضيحة عادية.

هذا سلوك شبه جماعي يُمارس من مصرفيين يتغنّون بأنهم رواد قطاع هو الأكثر تطوراً في المنطقة، وكان يجري تحت رقابة وإشراف الجهات الناظمة للقطاع من مصرف لبنان ولجنة رقابة على المصارف وهيئة الأسواق المالية والهيئة المصرفية العليا وهيئة التحقيق الخاصة.
مشكلة مصرف لبنان ليست في القروض الوهمية، بل في طريقة استخدام الأموال الناتجة من عمليات التلاعب، إذ إنها كانت تذهب «لتمويل مضاربات على الدولار»، على حدّ ما نقل بعض المعنيين عن حاكم مصرف لبنان، أو لتمويل «مضاربات عقارية». كذلك، كانت الدولارات تُحوَّل إلى الخارج، ما يضع ضغوطاً إضافية على ميزان المدفوعات العاجز أصلاً منذ عام 2011. وهذا يعني أن الأموال التي كان يضخّها مصرف لبنان من سيولته لدعم القروض المدعومة، التي كانت تتجاوز 2000 مليار ليرة سنوياً، كانت تسير في اتجاهين: الأول، تتحوّل إلى ودائع يمتصّها مصرف لبنان ضمن عملية تعقيم السيولة التي ترتّب للمصارف أرباحاً كبيرة، الثاني، تدخل ضمن منظومة الاستهلاك لتزيد الطلب على السلع التي يستورد لبنان أكثر من 80% منها، وكلّها تدفع بالدولار أو اليورو، أي إنها كانت تموّل الاستيراد بالعملات الأجنبية. وما لم يقله سلامة، أن هذه التهريبات كانت تخفف من مفاعيل الهندسات المالية التي نفّذها على مدى السنتين الماضيتين بهدف إعادة تكوين احتياطاته بالعملات الأجنبية، وبهدف تقديم أرباح شبه مجانية للمصارف تجاوزت قيمتها الإجمالية 5 مليارات دولار!


أزمة القروض مرشّحة للتفاقم بعدما تبيّن أن القروض العالقة تستنفد كل الدعم المخصص لعام 2018


لولا المشكلة النقدية لكان الأمر مستمراً، إلا أن تفاقم المشكلة النقدية خلال السنوات الماضية، والضغوطات التي تضعها المؤسسات الدولية على مصرف لبنان لقيامه بتحفيز التسليفات بعيداً عن مهماته النقدية، ولقيامه بهندسات مالية بدلاً من اعتماد الأدوات الكلاسيكية لمواجهة المشاكل النقدية... كل هذا الوعاء بما فيه من سرقات وسخاء على المصارف وضغوط نقدية وسواها، فرضت على مصرف لبنان تغيير آلية الدعم لتصبح على الشكل الآتي: يخصّص مصرف لبنان مبلغ 750 مليار ليرة لدعم الفوائد، على أن تستعمل المصارف سيولتها لإقراض الزبائن ضمن شروط محدّدة وقاسية وضمن سقف للفائدة يحدّدها هو، على أن يوزّع الدعم على المصارف قياساً على حصّتها من القروض المدعومة في الفترة الماضية، أو ما يُعرف بـ«الكوتا».
لم تتجاوب المصارف مع هذا التغيير، لا بل احتجّت عليه، إذ يناسبها أكثر أن يبقى الدعم وفق الآلية السابقة التي كانت تتيح لها وللزبائن «الغرف» أكثر من المال العام، لكنها بدلاً من السكوت لجأت إلى قرار التوقف عن الإقراض. الذريعة التي قدّمتها لسلامة، أن هناك كمية كبيرة من القروض قيد المعالجة (ضمن خطّ الإنتاج) وفق الآلية السابقة، أي إنها أعطت موافقتها عليها قبل صدور التعميم الجديد، أو في الفترة الفاصلة بين التعميم الذي يرعى آلية الدعم السابقة وبين التعميم الجديد الذي يفرض عليها آلية جديدة غير مربحة. تبيّن لسلامة أن حجم طلبات القروض قيد المعالجة تتطلب مبلغاً من الدعم أكبر من الذي خصصه عبر التعميم الأخير البالغ 750 مليار ليرة. بمعنى آخر، استنفدت المصارف كل مبالغ الدعم فور صدوره، علماً بأنها كانت قد استنفدت مبلغاً مماثلاً خلال فترة قياسية قبل بضعة أشهر! وبحسب مصادر مطلعة، «لم يعد هناك سوى ثلاثة أو أربعة مصارف لديها «كوتا» كافية للتسليف المدعوم لفترة لا تزيد على شهرين إذا اعتمدت على زبائنها ولم تتوسع في الترويج للأمر».
توق المصارف إلى الحصول على المزيد من المال العام لا حدود له. فبحسب المعطيات المتداولة بين المصرفيين عن اللقاء الشهري الذي عقد يوم الخميس الماضي بين المصارف وحاكم مصرف لبنان، فإن سلامة «وبّخ» المصارف على افتعالها مشكلة في السوق. فالمصارف عندما أوقفت القروض السكنية تركت عدداً كبيراً من الأسر عالقين بين تسديد الدفعة الأولى لمالك الشقة، وبين عدم موافقة المصرف على القرض. هذه الأسر تواجه اليوم مصيراً مجهولاً، فلا يمكنها التراجع عمّا قامت به، وإلا فستخسر الدفعة الأولى التي تعد بمثابة «عربون» شراء الشقة، ولا يمكنها المضي قدماً بسبب طمع المصارف وفضائحها مع مصرف لبنان. بعض الأسر باعت شقتها واشترت شقة بديلة، وهي نفذت التزامها مع الشاري، إلا أن المصرف لم ينفذ التزامه معها، فباتت عرضة للنوم في الشارع. وهناك أسر تخطط للزواج وإجراء تحديثات للشقة ودفعت مبالغ كبيرة قد تذهب هدراً.
وبحسب المعلومات، فإن سلامة استغرب عدم تنفيذ المصارف التزاماتها مع طالبي القروض، ولا سيما أن بعض طلبات القروض وصلت إلى مراحل متقدمة من الإجراءات المتبعة. قصدُ سلامة أنه أمام كل هذا الدعم الذي يقدّمه مصرف لبنان للمصارف، والأرباح التي قدمها لها على طبق من ذهب، وصل طمع المصارف إلى مرحلة أنها ليست مستعدة للتضحية لإنهاء هذه المشكلة، بل تريد افتعال مشكلة لجني بضعة مليارات من الليرات على حساب المال العام.
السؤال الذي لا إجابة له حتى الآن لا يتعلق بهؤلاء العالقين بين مصرف لبنان والمصارف، بل بالنتيجة التي سيخلّفها عدم ضخّ المزيد من الدعم للقروض السكنية، إذ يتوقع أن تنخفض أسعار الشقق السكنية المتوسطة والصغيرة، ويتوقع أن يكون هناك المزيد من التعثّر في القطاع العقاري وفي القطاعات المتممة له.
ويردّد المعنيون في مصرف لبنان أن غياب الحكومة عن وضع سياسة إسكان هو أصل مشكلة القروض السكنية المدعومة، إذ لم يكن أمام مصرف لبنان سوى الحلول بدلاً من الحكومة في هذه العملية انطلاقاً من خلفيات نقدية. لذا، إن انسحابه اليوم من مشروع تمويل القروض المدعومة، يتعلق بهذه الخلفيات حصراً، وبأنه لا يريد تحمل مسؤولية الانفلات في السوق، في وقت لا تريد فيه الحكومة تحمّل أي مسؤولية.




منتجات القروض السكنية: أنواع كثيرة وتمويل واحد

القروض السكنية المدعومة هي عبارة عن منتج يصدر بأشكال عديدة تختلف بتفاصيلها ومكوّناتها، إلا أن مصادر تمويلها واحدة ويعبّر عنها بواسطة آليات الدعم التي تحدّد الكلفة النهائية على المستهلك. من بين المكوّنات هناك منتج اسمه «قروض المؤسسة العامة للإسكان» التي تحصل على دعم من مصرف لبنان، لكنها تمرّ عبر بروتوكول موقَّع بين المصارف والمؤسسة العامة للإسكان. ينصّ هذا البروتوكول على أن القرض يقسم إلى فترتين زمنيتين متماثلتين. في الفترة الأولى يدفع المقترض أصل القرض للمصرف، فيما تدفع المؤسسة عنه الفائدة. وفي الفترة الثانية يدفع المقترض للمؤسسة ما سدّدته عنه للمصرف مضافاً إليه الفوائد.
ومن بين المكوّنات أيضاً منتج اسمه قرض «بنك الإسكان»، وهو يختلف عن قرض «المؤسسة العامة»، سواء بطريقة السداد وفترة الدفع وطريقة احتساب أصل المبلغ والفائدة، لكنه يشبه إلى حدّ كبير ما يسمى «قروض مصرف لبنان» باستثناء نسبة الفائدة التي تعدّ أدنى لدى «بنك الإسكان».
وهناك منتجات أخرى تصدر عبر عدد من البروتوكولات الموقعة بين المصارف والجيش، أو ما يعرف بـ«إسكان العسكريين»، مثله مع قوى الأمن الداخلي وأمن الدولة والأمن العام والجمارك وصندوق تعاضد القضاة والمحاكم الشرعية.... تحصل جميعها على دعم مصرف لبنان عبر إعفاءات أو عبر تمويل مدعوم، وهي لا تختلف عن باقي البروتوكولات بتفاصيلها ولا بنسبة الفائدة على المقترض، لكنها تختلف عن قرض المؤسسة العامة وقرض مصرف لبنان.