من أعجب الظواهر في مسيرة البترول والغاز في لبنان أنها انحرفت فجأة عن الأسس السليمة التي وضعها القانون البترولي 132/2010، لتسير بعكس السير، وعكس المنطق، وعكس المصلحة الوطنية، وعكس التطوّرات العالمية المشار إليها في مقالتنا السابقة.


هذا الانحراف تمثّل بشكل خاص في تزوير القانون البترولي عبر المادة 5 من المرسوم 43/2017 التي نصّت على عدم مشاركة الدولة في جولة التراخيص الأولى، ما يعني بالعربية الفصحى طرد الدولة برمتها من الأنشطة البترولية، كي تحلّ محلها مصالح خاصة، ومن ثم انعدام الحاجة لإنشاء شركة بترول وطنية! كما يعني التنكّر لنظام تقاسم الإنتاج، الذي نصّ عليه القانون البترولي في قفزة تقارب الخمسين سنة إلى الوراء، والعودة المقنعة إلى نظام الامتيازات القديم الذي لم يعد يقبل به أيّ بلد في العالم.


الخوف كلّ الخوف أن نكون بين البلدان التي ضربتها لعنة البترول


من أهمّ وأخطر النتائج العملية لهذا التزوير لمبدأ أساسي من القانون أنّ حقوق ملكية كلّ ما يتم اكتشافه من بترول وغاز تعود للشركات العاملة في ظلّ نظام الامتياز، في حين أنّها تعود للدولة في نظام تقاسم الإنتاج، توزّع بين الشركة الوطنية من جهة، والشريك الأجنبي عند تحميل حصته على الناقلات من جهة ثانية.
وبما أنّ دفتر الشروط والمرسوم 43/2017 قد نصّا على أن حقوق الاستكشاف والإنتاج لا تُمنح إلّا إلى «شراكة تجارية غير مندمجة» مؤلفة من ثلاث شركات على الأقل من الشركات المؤهلة، ونظراً إلى عدم وجود شركة بترول وطنية، فإنّ حقوق هذه الشركة قد طارت تلقائياً من الاتفاقيتين اللتين تم التوقيع عليهما حول الرقعتين 4 و9. أما في حال تطبيق نظام تقاسم الإنتاج، وتخصيص حصة 40% مثلاً للشركة الوطنية، وإذا اعتبرنا جدلاً أن قيمة مجموع ما يتم اكتشافه في الرقعتين 50 مليار دولار، فهذا يعني أن لبنان قد ارتكب «خطأ» (إذا شئنا استعمال كلمة مهذبة) حرمان نفسه من حوالى 20 مليار دولار، أو ما يقارب ذلك، حسب إعادة نظر الشركات في توقعاتها في حال وجود شركة وطنية كشريك.
وفي طليعة الأساليب التي استُعملت لتضليل اللبنانيين حول هذه النقاط الجوهرية هو الادّعاء منذ سنوات بأن السياسة البترولية المُتبعة في لبنان مستوحاة من «النموذج البترولي النروجي». في حين أنها تُناقض كليّاً تجربة النروج في هذا المجال، خاصّة الدور المحوري الذي لعبته الدولة النروجية والشركة الوطنية «ستاتويل». وقد تمّت الإشارة بالتفصيل إلى مختلف أوجه هذا التناقض بين مسيرة البترول والغاز في البلدين، في مقال نشره في 20 كانون الثاني الماضي كاتب هذه الأسطر في «الأخبار»، جواباً على ما نشره الجيولوجي النروجي من أصل عراقي السيد فاروق القاسم (الأخبار تاريخ 13 كانون الثاني 2018) لتبرير كل ما تمّ في لبنان. في هذه المناسبة، وجّه كاتب هذه الأسطر دعوة للسيد القاسم لحوار تلفزيوني علني وصريح، أمام كلّ اللبنانيين، حول هذا الموضوع، والأمل بأن يأتي الجواب سريعاً على هذه الدعوة.
لهذه الأسباب، يمكن القول إنّ تصحيح الانحرافات التي حصلت ودرء المخاطر التي تهدّد الثروة النفطية الموعودة، يستدعيان إسراع المجلس النيابي في إقرار اقتراح «قانون شركة البترول الوطنية اللبنانية» الذي قدّم له. ومن أهم أهداف هذا القانون ما تنصّ عليه المادة 11 بالقول «للشركة خيار المشاركة في أنشطة الإنتاج من خلال الاستثمار بطريقة «حق خيار شراء الحصة» (Back-in Rights) المتبعة عالمياً، وفقاً للبند الأول من المادة 6 من قانون الموارد البترولية في المياه البحرية (رقم 132/2010) وأحكام قانون الموارد البترولية في الأراضي اللبنانية. وتضمن هذه الطريقة حقوق الدولة بشراء حصة من الحقول البترولية دون أن تساهم الدولة في أي من التكاليف في مرحلة الاستكشاف إلى حين تدفق الإيرادات الأولى من الإنتاج». أخيراً تضيف نفس المادة: «تمارس الشركة «حق خيار شراء حصة» مستقبلاً في اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج المُبرمة سابقاً قبل إنشاء الشركة، بعد التفاوض مع أصحاب الحقوق».
من جهة أخرى، يمتاز مشروع القانون بإمكانية مشاركة القطاع الخاص في رأسمال شركة البترول الوطنية، ضمن شروط معينة، في رأسمالها، جنباً إلى جنب مع القطاع العام.
ومن الطريف أن معارضي إنشاء شركة بترول وطنية لبنانية قد أطلقوا مؤخراً حملة واسعة، يرافقها التطبيل والتزمير، ليس فقط ضد إقرار مشروع قانون إنشاء هذه الشركة، بل أيضاً ضد ثلاثة مشاريع قوانين نفطية أخرى تتعلق باستثمار الموارد البترولية في الأراضي اللبنانية، الصندوق السيادي، وإنشاء مديرية عامة للأصول البترولية.
هذه المعارضة، اليوم، للقوانين النفطية المذكورة، وغداً ربما لمبدأ وجود قوانين أو سلطة تشريعية، لا تحتاج لأيّ تعليق إذ إنها أقرب ما تكون إلى المزحة!...
يبقى أخيراً السؤال عن أسباب هذا التمادي اللامحدود في استباحة الثروة النفطية الموعودة، وفي الاستهتار بعقل وكرامة اللبنانيين، وفي التطاول على الدولة ومؤسساتها. الجواب على هذا السؤال هو نفس الجواب على أسباب ما وصلنا إليه وما نعاني منه كلّ يوم من شتّى أنواع الفساد، بما في ذلك العجز المتفاقم في الكهرباء والماء، وتلوث البيئة، وفضائح النفايات والمحارق المسرطنة والمكبات البحرية، واستمرار نهب المال العام وما أدى إليه من ارتفاع مديونية الدولة إلى مستويات أصبحت تهدّد بانهيار الاقتصاد الوطني.
أما الموال الجديد حول اقترابنا من باب «نادي البلدان المنتجة للبترول»، فيستحقّ ملاحظتين. أولاهما، أنه من البديهيات أن أمنية كل لبناني هي أن يصبح بلده منتجاً للبترول والغاز، وأن يتم ذلك في أفضل الشروط الممكنة. أما الملاحظة الثانية، فهي أن الموضوع ليس مجرّد دخول «النادي» بل مكاننا الممكن في النادي المذكور، إذ إنّ الخوف كلّ الخوف، في ضوء ما شاهدناه حتى اليوم، أن نكون بين البلدان من نوع نيجيريا أو فنزويلا أو أنغولا التي ضربتها لعنة البترول.