مرّت عشر سنوات منذ دخلت قاعة المجلس العدلي لأوّل مرة، لكنّ شيئاً لم يتغيّر منذ ذلك الحين. رتابةٌ تتكرر في كل جلسة. يتوزع عشرات العسكريين في أروقة قصر العدل ومحيطه، وكأنّ حدثاً جللاً سيحصل، لكنه لا يحصل. لا شيء هنا سوى الهدوء. حتى الكلمات تتشابه بين هذه الجدران. ينطقها «سيّد المجلس العدلي» بالطريقة نفسها التي كان يفعلها سلفه.


عشر سنوات، كأنها أمس. تبدّلت وجوه القضاة ربما، أما هيئة «الهيئة القضائية» فعلى حالها. اللباس نفسه والوجوم نفسه. كذلك تتكرر وجوه المحامين هنا. حتى رداءة الصوت بفعل الصدى في القاعة، هي هي. يجهد الحضور لسماع القاضي، كما يجهد هو لفهم ما يتلفّظون به. هكذا كانت الحال في أول مرة ولا تزال. الروتين القاتل نفسه تضاف إليه مسحة كآبة. من يدري، قد يكون التغيير الوحيد المنتظر في هذه الجلسات غياب بعض الحاضرين في جلسات لاحقة بسبب الوفاة فقط. عداد السنوات وحده يتغيّر. أحد المحامين الحاضرين قارب الثمانين. يقف بصعوبة ليخاطب القاضي بصوت متهدّج بالكاد يُسمع. الشيخ الوقور أحد وكلاء المغيبين الثلاثة في جلسة قضية تغييب الإمام السيد موسى الصدرورفيقيه. معظم الحاضرين يرتدون الزي الأسود أو بزة رسمية، باستثناء شاب أربعيني، يجلس في آخر القاعة. لم ينبس ببنت شفة، سوى أنه اقترب مصافحاً قبل بدء الجلسة. هذا الشاب، هو ابن أحد المغيبين الذين يجتمع المجلس لأجلهم. لم يمل زاهر عباس بدر الدين. أربعون سنة مرّت على تغييب والده مع الإمام الصدر والشيخ محمد يعقوب، لكنه يحرص على حضور جلسات المحاكمة. وجه زاهر السمح يحمل الكثير من اليأس، لكنه رغم ذلك يحمل نفسه إلى محكمة يعلم أنها لن تُقدّم أو تؤخّر في كشف مصير والده. محكمة لم تعترف بعد بمقتل معمّر القذّافي، ماذا يُمكن أن تُقدّم له سوى تأجيل خلف تأجيل؟ لكنه، رغم ذلك، يواظب على حضور جلساتها.
تحاول جاهداً البحث عن تبدّلٍ ما، لكنك عبثاً تفعل. بالصدفة تلتفت إلى وجوه العسكريين المكلفين بالتشريفات في المجلس العدلي. وحدها تغيّرت وجوه هؤلاء. شبّان يافعون يتوزعون يمنة ويسرة بتوجيه من ضابط ترتفع نجمة واحده على كتفه، يُقدمون السلاح لهيئة المجلس العدلي وينسحبون بهدوء ليحضر فوج آخر في الجلسة المقبلة.
في جلسة أمس، أعلن رئيس المجلس العدلي أنّه ينتظر ورود تحقيق المحقق العدلي قبل استكمال المحاكمة في قضية الصدر ورفيقيه. المجلس ينتظر ورود تحقيقات المحقق العدلي في قضية ناهز عمرها أربعين سنة. غير أن أحد الوكلاء استأذن القاضي ليطلب الترخيص لإرسال مذكرة لوزارة الخارجية الليبية عن طريق وزارتي العدل والخارجية اللبنانيتين للإفادة عن وفاة القذافي. وعليه، قرر المجلس بتّ الطلب لاحقاً في غرفة المذاكرة، وأرجأ الجلسة إلى الخامس والعشرين من أيار، لكن الحضور لفتوا نظر القاضي إلى أن موعد الجلسة المحدد يُصادف عيد المقاومة والتحرير. فعاد وأرجأها إلى الأول من حزيران المقبل.
كذلك شهد المجلس العدلي انعقاد الجلسة الأولى منذ وقوع جريمة قتل المسؤولين الكتائبيين نصري ماروني وسليم عاصي في نيسان عام 2008. وقد أرجأ المجلس العدلي برئاسة القاضي جان فهد، الى 23 آذار المقبل جلسة محاكمة المدعى عليهما طعمة ذوقي وجوزيف ذوقي الفارين من وجه العدالة بجرم القتل، لإعطاء المهل للمدعى عليهما. وحضر الجلسة المدعى عليهما في الملف عينه وليد ذوقي ونقولا حمصي اللذان سبق أن أوقفا بتهمة نقل الجناة وإخفائهم. وقد طالب النائب إيلي ماروني (شقيق الضحية) بـ«الإسراع في الإجراءات القانونية درءاً لضياع الأدلة أو محاولة إخفائها، علماً بأن هناك عدداً من الشهود قد توفّوا».