أزمة الكهرباء عادت إلى الواجهة مجدداً. أحياها رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي قال إن المطلوب حل هذه المعضلة، مهدّداً بالخروج إلى الإعلام للقول بصراحة إن الحكومة عاجزة عن معالجة الكهرباء.


هل كان الرئيس سعد الحريري بحاجة إلى «دفشة» من عون لدعوة اللجنة الوزارية المعنية لوضع تقريرها النهائي؟ ولماذا نام الملف في أدراج رئيس الحكومة لأكثر من شهرين؟ وهل يملك مجلس الوزراء حلاً للأزمة، بعيداً عن استئجار البواخر؟
يعود الفصل الأخير من أزمة الكهرباء إلى عام مضى. في الأول من نيسان 2017 أطلقت وزارة الطاقة استدراج عروض يتعلق بمشروع استئجار وتشغيل وصيانة محطات طاقة عائمة لإنتاج 800 ميغاواط كحد أدنى. حصل ذلك بعد موافقة مجلس الوزراء على الخطة الإنقاذية لقطاع الكهرباء صيف 2017، في 27 آذار من العام نفسه.
الخطة الإنقاذية كانت تحتاج إلى شرط مهم لكي تسلك طريقها من دون عقبات: دفتر شروط يؤمّن المنافسة العادلة. لكن ما حصل أن دفتر الشروط فُصّل على قياس شركة واحدة. ملاحظات إدارة المناقصات كانت بالجملة، وحتى مع التعديلات التي أجريت على الدفتر لم يتغيّر الكثير. ظل دفتر الشروط موجّهاً، ففشلت المناقصة. مرّ الصيف، وهو مبرر الخطة الإنقاذية، من دون أي تقدم، بل سجل المزيد من هدر الوقت والإصرار على الابتعاد عن الشفافية.
في 13 تشرين الأول 2017، اجتمعت لجنة التلزيم في إدارة المناقصات لدرس أربعة عروض. تكرر بقاء عارض وحيد بعد فضّ ثلاثة عروض تبين أنها تخالف دفتر الشروط «بشكل جوهري». في 20 تشرين الأول، أصدر مجلس الوزراء قراراً يحفل بالمخالفات ويتخطّى حدود صلاحياته، أعطى بموجبه الشركات مهلة أسبوع لاستكمال ملفاتها. قرار المجلس ألزم أيضاً لجنة التلزيم بإصدار قرارها خلال خمسة أيام، خلافاً لأي نص قانوني. كذلك طلب من إدارة المناقصات تسليم التقرير إلى اللجنة الوزارية، التي يفترض أنها لا تملك صلاحية بتّ العروض. كل ذلك لم ينفع في تمرير المناقصة، فردّتها لجنة التلزيم مجدداً لأن ثلاثة من العارضين الأربعة لم يقدموا ملفاتهم كاملة، فلم يفتح ملف العارض الرابع لبقائه وحيداً.
دخلت البلاد في أزمة استقالة الحريري وضاع ملف الكهرباء مجدداً، قبل أن يحييه رئيس الجمهورية أول من أمس. بعد الخطوة الرئاسية، ما هي الخيارات أمام مجلس الوزراء؟
عملياً لم يعد ممكناً إعادة إحياء المناقصة؛ أولاً لأنه سبق للمجلس أن وافق على أن تستكمل الشركات المتقدمة ملفاتها، خلافاً للقانون، وبالتالي سيكون صعباً عليه تكرار المسألة. وعندما تجتمع اللجنة الوزارية يفترض أن يكون أمامها التقرير المرسل إليها من مدير إدارة المناقصات جان العلّية في بداية تشرين الثاني 2017. التقرير يتضمن إشارة واضحة إلى أن استدراج العروض هو صفقة تنافسية لا صفقة تفاوضية. وحتى لو قررت اللجنة التغاضي عن كل ذلك، فستواجه عقبة قضائية تتمثل في تجميد مجلس الشورى للمناقصة، منذ 27 تشرين الثاني 2017، بعد ادّعاء من شركة «ميدل إيست باور» تطلب فيه إلغاء المناقصة وإلزام الدولة باستبدال النصوص التي لا تراعي مبدأي المنافسة والمساواة في دفتر الشروط (مدة إنجاز الأعمال والتقييم المالي وحصر مهلة تقديم العروض بثلاثة أسابيع). وبالرغم من أن قاضي العجلة زياد أيوب كان قد طلب في قراره من وزارة الطاقة إبراز كامل الملف الإداري والفني العائد لاستدراج العروض، خلال أسبوع، بعد أن ردّ الدفع بعدم صفة المستدعية وبقبول مراجعتها، إلا أن وزارة الطاقة استأنفت القرار طالبة فسخه. منذ ذلك الحين، لم يصدر عن مجلس الشورى أي قرار، فلم يبتّ الاستئناف ولم يؤكد قراره السابق. شهران مرّا على قضية ينظر فيها قضاء العجلة.
في الخلاصة، تبدو المناقصة في حالة موت سريري، ما يعني أن على الحكومة أن تبحث عن حلول بديلة، علماً بأن الاحتمالات أمامها محدودة. فإما أن ترمي خلفها التجربة السابقة، وتقرر إطلاق مناقصة جديدة بشروط شفافة وتضمن المنافسة العادلة، وإما تذهب نحو اتفاق رضائي مع شركة كارادينيز.
وحتى لو سارت الأمور في هذا الاتجاه، فإن الحكومة لن تستطيع أن تعد اللبنانيين بتحسن سريع بالتغذية بالتيار، وبالتالي سيكون من المستحيل الاستفادة من هذا «الإنجاز» قبل الانتخابات أو ربما قبل نهاية الصيف. فحتى لو كانت الباخرة التركية جاهزة، فإن استقدامها وبناء الحاجز البحري الخاص بها وربطها بالشبكة، ستحتاج بالحد الأدنى إلى ثلاثة أشهر، علماً بأن المشكلة لا تنتهي عند هذا الحد، فشبكة التوزيع الحالية تعمل بالحد الأقصى من طاقتها الاستيعابية. وطالما لم تحل أزمة عقدة المنصورية التي تربط بين محطة عرمون ومحطة بصاليم، فلا تطور ممكناً في التغذية بالتيار. والأزمة لا تقف عند هذا الحد. عقد الباخرتين التركيتين الحاليتين ينتهي في أيلول المقبل. قانونياً، هذا يعني أنه يجب تأمين البديل، قبل أن تحل ساعة المغادرة، إذ إن التمديد لهما ليس متاحاً بحسب العقد، فهو محصور بتمديد لمدة سنتين فقط.
الأكيد أن الفترة المقبلة ستكون فترة ضغط وتهويل من خطر العتمة، فهل يكون ذلك سبباً كافياً للسير في خيارات غير قانونية وباهظة الثمن؟