قبل ثماني سنوات، وبعد أخذ وردّ، أصبح عيد البشارة عيداً «وطنيّاً» في لبنان. الأعياد الدينيّة، في هذه البلاد، تُقرّ مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. لكن يومها، اكتشف القوم (في الحكومة) فجأة أنّ العذراء مريم، المُبَشّرة بالمسيح، ذات قداسة عند الجماعتين. آنذاك، كانت جوسلين متّى، ابنة بلدة عمشيت الجبيليّة، تكتشف أنّ العذراء مذكورة في القرآن، وأنّها مُكرّمة، وأنّها: «وإذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله اصطفاكِ وطهّركِ واصطفاكِ على نساء العالمين». أثار الأمر فضولها. سألَت، بحثَت، فعرَفت.


سرّها ذلك، وهي الساعية، كما نشأت في عائلتها، إلى ما يوحّد لا ما يُفرّق. يومذاك، كان قد مضى نحو عشر سنوات على تعيينها قاضية. كانت مستشارة في محكمة جنايات طرابلس. ظلّت تلك المعلومة عن مريم القرآنيّة حاضرة في بالها. سيأتي اليوم الذي تنقل فيه ما عرفته إلى صلب عملها، وهي الآن قاضية تحقيق في الشمال، فتخرُج بإجراء قانوني غير مسبوق، ليطير معه اسمها إلى العالم. حرفيّاً، إلى العالم. حصل ذلك مطلع الشهر الجاري.
كان أحد المحامين أمام باب مكتب القاضية. رأى شبّاناً جالسين، يحمل كلّ مِنهم مصحف القرآن بين يديه، وكلّهم يتلون آيات مِن سورة آل عمران. ما الحكاية؟ هنا عدليّة لا مسجد! ليس مكان عبادة. أقلّه، ليس مشهداً مألوفاً. سيعرف، بعد سؤال، أنّ ما يفعله هؤلاء ليس سوى التدبير القضائي الذي ألزمتهم به القاضية. كانوا قد دخلوا، قبل ذلك، إلى كنيسة بقصد التخريب، وقد نالوا فعلاً مِن تمثال للعذراء داخلها. عندما أوقفتهم القوى الأمنيّة، ومثلوا أمام القاضية، راحوا يعتذرون مِنها. تعتذرون مِني؟ سألتهم باستهجان، لتسألهم بعد: أنتم مسلمون؟ صحيح، أجابوا. لافت أنّ قاضية لبنانية تعرف أنّ الهويّة الدينية، الموروثة عن الأهل، غير كافية هنا، لتسألهم مجدّداً: أنتم مؤمنون بما جاء في القرآن؟ بكلّ تأكيد، قالوا، إذاً: عليكم أن تقرأوا ما جاء في القرآن عن تلك الشخصيّة التي أردتم النيل مِنها. لا أحد، مِن بين القضاة، يتمنّى أن يكون في موقف كهذا. هذه لحظة القرار.


هما شابان فقط لا ثلاثة، وأحدهما لم يبلغ مِن العمر 18 عاماً
هل تأمر بتوقيفهم، على ما درجت العادة، فيُحالون على سجن القبّة (الذي كان إصطبلاً للبهائم وما زال على حاله)... أم تُفعّل الكامن في المادة 111 مِن قانون أصول المحاكمات الجزائيّة (المنسيّة مِن قبل أكثر قضاة التحقيق)... فتستعيض عن توقيفهم «بإلزامهم بموجب أو أكثر مِن الموجبات التي يعتبرها (القاضي) ضروريّة». ما العمل؟ عادت متّى، في تلك اللحظة، سنوات إلى الوراء في ذاكرتها، إلى ما قرأته يوماً عن «البشارة» في القرآن. اتصلت بأحد زملائها، مِن المسلمين، وسألته عن موضع تلك الآيات بدقّة. أخبرها أنّها في سورة مريم. قالت له: لا، أعرف هذه السورة، ولكن مسألة البشارة بالمسيح، تحديداً، ترد في سورة أخرى. وصلت إلى النتيجة أخيراً، إنّها تلك الآيات الواردة في سورة آل عمران. وجاء القرار: عليكم أن تحفظوا هذه الآيات، بعدها تُغادرون إلى منازلكم، لن أوقفكم، أنتم فعلتم ما فعلتم عن جهل وطيش، وبعدها لكلّ حادث حديث. عرف ذاك المحامي، الذي رأى، بما حصل، فكان أن بادر إلى نشر الحادثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. بالمناسبة، هما شابان فقط، لا ثلاثة، فالثالث كان مجرّد موظّف يتلو مع الشابين. شابان، أحدهما لم يبلغ مِن العمر 18 عاماً بعد، أمّا الثاني فبلغه ونيّفاً مِن الأشهُر. القاضية أمّ لأربعة أولاد، ولا يزيد عمر طفلها الأصغر على ستّة أشهر.
كان لافتاً أنّ المادة القانونيّة المذكورة، التي اعتمدت عليها متّى، لا تذكر صراحة إجراء كقراءة القرآن مِن بين الموجبات، إلا أنّ القاضية كانت لمّاحة، إذ استفادت مِن عبارة «مِنها». هذه تفيد مثلاً لا حصراً. سنوات طوال قضتها متّى، في طرابلس، ذات الأكثريّة المُسلمة، عاملة مع القاضي الراحل منير عبد الله. ذاك القاضي، صاحب النزعة التسامحيّة، الذي «بكت عليه المدينة يوم رحيله» (كما يقول زميله المتقاعد القاضي نبيل صاري). الظاهر أنّ تلك الشخصيّة تركت أثرها في نفس القاضية. هي أشارت إلى ذلك أمام بعض مَن حضر لتهنئتها أخيراً. تقول أيضاً إنّها لا ترى في قرارها قاعدة عامة يُمكن أن يُركن إليها في كلّ قضيّة، فالمسألة هنا «تتعلّق بقضيّة خاصّة جدّاً، وهي ذات طابع ديني مُحدّد، في بلد متنوّع الطوائف، وشبّان صغار يجهلون، وبالتالي هذه حدودها». هناك مَن تخوّف من أن يأخذ البعض هذا القرار ليسوق به كيفما اتفق، وربّما في حالات دينيّة مُعاكسة، أو ربّما كان فاتحة لتأويلات دينيّة مختلفة في قضاء، كالقضاء اللبناني، مدنيّ الطابع ولا يُقرّر وفق «الشرائع السماويّة». هذه مخاوف محقّة، في لبنان تحديداً، ولكن تبقى خطوة القاضية في سياقها الطبيعي ما دامت استطاعت الاستفادة مِن القانون نفسه، أو، بمعنى آخر، بثّت الحياة (تسامحاً) في نصّ قائم ذي مساحة واسعة، بعدما كانت ضيّقتها نفوس ضيّقة فغدت قاعدة.
قبل أيّام، كانت جوسلين متّى في دكّان قرب منزلها، فاستوقفها أحد معارفها، ليسألها: أحقّاً العذراء مذكورة هكذا في القرآن؟ قد تكون هذه «كليشيه» لبنانيّة تقليديّة، لكن بمطلق الأحوال، تبقى إشارة جيّدة في هذا الزمن الرديء دينيّاً على مستوى العالم. مسألة أخرى، كثيرون قالوا إنّ القاضية أصدرت حكماً. لا، ما قامت به هو إجراء قانوني، ليس حكماً، فقاضي التحقيق لا يُصدر أحكاماً، ولهذا لا يُمكن أن يُقال إنّها حكمت بـ«البراءة». على المستوى البيروقراطي المحض، القضيّة لم تنته بعد، إذ لا بدّ مِن «مطالعة بالأساس» مِن النيابة العامة، وربّما إجراءات أبعد، فضلاً عن القرار الظنّي المنتظر أن تصدره متّى نفسها. أيّاً يكن، جوسلين متّى مِن ذاك الصنف الجريء مِن القضاة، وهي لا تنسى أنّها، قبل أيّ شيء، إنسانة تشعر وتتفاعل، لا مجرّد آلة، لا عابدة لتأويلات على النصّ أوّلَها السابقون. إنّها مِن الصنف الذي يُحدث تأثيراً، بالمعنى الإيجابي، على غرار «اجتهاد» القاضي جون القزّي، قبل سنوات، بمنح أمّ حقّ إعطاء جنسيّتها لأولادها (في حالة كانت استثنائيّة). إلى هذا الصنف مِن القضاة تكون روح العدالة أقرب، وعليهم، على ندرتهم، يُعوّل... لا على «المتخشّبين» أو قضاة هذا الرئيس أو ذاك الزعيم وأدنى.