يذهب اللبنانيون الى الانتخابات النيابية، هذه الدورة، وليس في يدهم أي حيلة للتغيير. القانون الانتخابي الذي أقر، لم يكن وصفة تناسب تماماً مرض الطائفية السياسية الفتاك في جسم لبنان. صحيح أن الترهل فرض تغيير الدواء، لكن، كمن استبدل مسكناً للوجع بمسكن آخر. تماماً كحالة جريدة «النهار» التي احتال أهلها ــ وهم أهل النظام نفسه ــ على أنفسهم، لا على الجمهور، بأن تم نقلها من سرير الى آخر، متوهمين أنه علاج لغيبوبة تنتظر إعلان الموت الرحيم.


النسبية والصوت التفضيلي كما حجم الدوائر، كلها آليات عمل ستفرض على اللاعبين تصرفات مختلفة بعض الشيء عن السابق. لكن الأبواب لن تفتح أمام تغيير حقيقي. ولذلك لا يُتوقع تغيير سياسي حقيقي، بل سينتهي الأمر على شكل منح بعض النواب تقاعدهم المبكر أو المتأخر، مع تنويه بأن من سيخلفهم، سيكون مضطراً في أغلب الأحيان الى مراعاة أشكال جديدة من التواصل مع الناس. لكن في جوهر الأمر، لن يكون هناك أي تغيير.
وفي حالة الجماعات اللبنانية التي يصوّت معظم المنتمين إليها الى لوائح القوى النافذة، فإن صورة الصراع اليوم تبدو عن بعد، على الشكل الآتي:
في السنّة: تبين أن جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري كافية لدورتين انتخابيتين فقط. لا الدم يستقطب أصواتاً، ولا تبني شعارات الخارج يفيد في تحريض الجمهور. وما يحصل اليوم، هو حصاد الوراثة السياسية فقط. سعد الحريري نفسه، لا يريد إفلاساً شعبياً يطابق الإفلاس المالي، والآخرون يعتقدون أن بمقدورهم الفوز بحصة، والقفز من المركب.


الصراع انتقل إلى داخل الجماعات
الحامية للنظام الطائفي، لكن ليس
في الأفق ما يشي بالتغيير

وإذا ما استثينا أقلية صغيرة، مثل حالة أسامة سعد، فإن جميع من يتنافس على المقاعد السنية في لبنان، اليوم، لن يضيف جديداً الى المشهد السياسي، ولن يرفع من مستوى عيش أبناء المدن والأطراف. تكفي صورة المواطن العكاري الذي يندب حظه أمس، شاتماً تيار المستقبل، كأفضل تعبير عن الصورة الحقيقية للناس، حتى إن فعل النكاية الذي أقدم عليه هذا المواطن الفقير بالاستجداء بالسيد حسن نصرالله، لا معنى سياسياً له. قال المسكين ما يفكر فيه، بما يتناسب وموسم الانتخابات، معلناً استعداد عائلة من 150 صوتاً (لا فرداً) لمبايعة السيد نصرالله، طالباً منه إرسال الصور واللافتات.
في حالة المرشحين باسم الدفاع عن حقوق أهل السنة، اليوم، ليس هناك من يجرؤ على وصف الأشياء بحالتها الحقيقية. ليس بينهم من يقبل النقد الذاتي، والمراجعة التي تدفعه الى القول بأن كل الشعارات والسياسات، التي اتبعت خلال العقدين الأخيرين، هي أصل البلاء. وليس بين المرشحين اليوم، من يقبل بمصارحة ناسه وأهله، بأن السير عكس التاريخ والجغرافيا هو الموت بعينه. وبالتالي، فإن ما ستحمله الانتخابات من نتائج لن يعدو كونه إعادة ترتيب المائدة، بما يسمح بتغيير أسماء المدعوين الى الحفل.
في الشيعة: قال السيد حسن نصرالله، قبل يومين، إن زمن المحادل ولّى. لكنه، يا سيد، ليس زمن الانتصارات الديموقراطية. أولويات المقاومة تفرض مجدداً عدم الدخول في الملف الداخلي. وهذا يعني، وهو حق مشروع، أن التسوية التي تفرضها استراتيجية المقاومة على صعيد الوحدة السياسية للشيعة في لبنان لا تزال صلاحيتها مستمرة. وهذا يعني عملياً، أن لا قدرة على اختراق التراص الشيعي. والنتيجة ستكون هي نفسها، سواء عبّدت الطريق بمحدلة، أو عمال طرق.
مشكلة الشيعة اليوم، في كونهم لا يقبلون المراجعة الضرورية حول ما حققوه من خلال انضمامهم الى هذا النظام الطائفي. وما هي حال الأمر، بعد إطاحة زعامات الإقطاع السابق. وهل فتحت الأبواب فعلياً أمام علاقة مختلفة مع الدولة وفكرتها ومؤسساتها المشتركة مع بقية اللبنانيين. وما هو حصاد نضال أربعين سنة من الركض خلف شعارات الإمام السيد موسى الصدر، الذي ما كان ينشد سوى تحسين موقع الشيعة في التركيبة الطائفية القائمة.
لا شيء. ها نحن عدنا الى المربع نفسه. قلة قليلة من المنتفعين، وسيطرة لمافيات سياسية واقتصادية ودينية على مقدرات تخص ربع أهل لبنان، مقابل استمرار الجوع والفقر والتعب عند غالبية، تكرر منذ سنوات، لعبة المسيحيين نفسها في القرن الماضي، عندما صارت الهجرة هي الوسيلة الوحيدة للترقي اجتماعياً واقتصادياً وفردياً.
في الدروز: قد تكون هذه الانتخابات هي المناسبة التي تشرح كلام وليد جنبلاط خلال العقد الأخير عن زمن الانقراض. هو ليس كلاماً عنصرياً عندما يشار الى انتهاء صلاحية الصيغة التي أدارت مصالح هذه الجماعة في لبنان. هو توصيف دقيق، لحالة ميؤوس منها إذا لم يخرج أبناء هذه الجماعة لإعلان تمردهم الكامل على زعامات لن تقدر على خدمتهم في شيء بعد اليوم. ها هو القائد، يعود الى نغمة عمرها مئة وخمسون سنة، فيها تعظيم لخطر الخصم المسيحي في معركة الزعامة على جبل لبنان. لكن القائد يعلن استسلامه أمام الجماعات اللبنانية الأخرى. لا حول له ولا قوة في مواجهة الشيعة، وهو لم يعد ضيفاً مرحباً به عند السنّة. حتى الخارج، الذي لطالما وجد عند هذه الجماعة موطئ قدم، صار يرى في الأمر مضيعة وقت.
في المسيحيين: يدب النشاط، كأنهم فعلاً أمام لحظة تأسيس جديدة للكيان اللبناني. مشكلة الناطقين باسم الغالبية منهم، أنهم يصدقون خرافة الكيان النهائي، وينظرون الى فشل المسلمين في إدارة الدولة على أنه انتصار لهم، ولا يقبلون بأنه فشل يعكس انتهاء صلاحية هذا النظام. والصراعات التي تدور بينهم، اليوم، لا تحدثنا عن جديد نوعي. الكتائب والقوات اللبنانية وبقايا الجبهة اللبنانية، يعيشون على مجد أن بديلهم لم ينجح في إعلان تقاعدهم. لكن هذه القوى تصرّ على تكرار المكرر. عندما خطب سامي الجميل أمام كوادره لمناسبة الانتخابات، لم يكن يحمل فكرة جديدة. المسرح وطريقة جلوس الناس، وطبيعة الخطاب، كلها نسخة مقلدة – كما هي العادة – عما يقوم به الغربيون. لعل سامي، يعتقد أن الإنترنت موجود فقط في بكفيا. والأنكى، أنه لا يزال يقاتل في المكان نفسه. معركته الفعلية ضد «القوات» لم تتوقف منذ ثلاثة عقود، والنتيجة أنها تواصل سحب البساط من تحته، يوماً بعد يوم. ومعركته الأخرى، داخل عائلة لم تعد تنفع كل العمليات في جعلها شيئاً جميلاً. أما معركته الأكبر، فتبقى مع الذين يهملونه، حيث لا يجد من يفاوضه أو يناقشه أو يعرض عليه حصة في كعكة، بقي منها الفتات، لا أكثر.
أما «القوات اللبنانية»، فخطابها اليوم، خالٍ من أي دسم. لا أحد يعرف ما هو الشعار الذي يستقطب جمهوراً. بينما لا تجد قيادتها علاجاً لنقص الموارد على صعيد الوجوه الانتخابية. ودعم الخارج لا يمنحها مقويات تفيدها في السباق. وكل ما يهمها اليوم، عدم الخروج من المولد بلا حمص. معركة «القوات» تنحصر في انتزاع مقاعد تثبت شرعيتها الشعبية، ولا تظهرها طرفاً محمولاً على أكف التسويات الإقليمية الكبرى.
يبقى التيار الوطني الحر. وفي حالته اليوم، هو لا يختلف مطلقاً عن حالة الثلاثي المسلم (الحريري – بري – جنبلاط) الذي حصد ما يقدر عليه من مواقع نفوذ داخل مؤسسات الدولة على أثر انتهاء الحرب الأهلية. وليس من بند آخر على جدول أعمال التيار الوطني الحر. لكن الانتخابات مناسبة لتثبيت صورة الزعامة داخل التيار نفسه، وإنهاء الحروب الداخلية حول الرئيس ميشال عون. والهدف الفعلي هو حصاد كتلة نيابية، تتيح له البقاء في موقع الناطق باسم المسيحيين، والمفاوض لبقية الجماعات اللبنانية.