في قاموس حزب الطاشناق، الكلمة الأولى هي «الوفاء»، على ما يقولون؛ الوفاء لشراكة 50 عاماً لمن وسّع حضورهم في ساحل المتن الشمالي وجعلهم شركاء فعليين له في مختلف المجالات. الوفاء هذا هو الذي دفع الطاشناق في عام 2005 الى لعب الدور الرئيسي في ضمّ النائب ميشال المر الى لائحة التيار الوطني الحر في المتن الشمالي، وهو ما يدفعهم اليوم الى بذل المستحيل لإعادة عقارب الساعة 13 عاماً الى الوراء.


غير أن ما كان يصح آنذاك تغيّر اليوم، مع ترك المر لتكتل التغيير والاصلاح ليناصر الرئيس السابق ميشال سليمان وقوى 14 آذار. والعودة الى بيت الطاعة العوني لن يكون سهلاً؛ فأولى الاشارات اليوم في مسألة تحالف المر ــ التيار سلبية جداً، وتتخللتها خمسة أحداث متتالية: الأولى تمثلت في قطع رئيس الجمهورية ميشال عون الطريق على «أبو الياس» خلال زيارته لقصر بعبدا، رافضاً الحديث بتحالف إلا من خلال ما يقرر عبر قيادة التيار الوطني الحر. الثانية كانت بمثابة ضربة موجعة غير متوقعة؛ فأن يصدر حكم قضائي في مسألة خراج المتين الذي استولى عليه المر منذ 40 عاماً من دون أن يتمكن أحد من إعادته الى أصحابه إلا في عهد ميشال عون، فتلك مسألة يجدر التوقف عندها طويلاً. الثالثة، إقالة رجل المر وأحد أهم المسؤولين في ماكينته، مدير عام مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان جوزيف نصير، وتعيين جان جبران العوني مكانه. الرابعة، إرسال مرشحين متنيين (الياس بو صعب وإدي معلوف) لتمثيل التيار في اللقاء الذي طلبه الطاشناق، وعقده في مقره بين «أبو الياس» والعونيين. الخامسة تمثلت في بيان اجتماع تكتل التغيير والإصلاح أول من أمس، والذي أكد أن التيار يجري لقاءات مع كل الأطراف ولم يحسم أي تحالف بعد، وكان بمثابة ردّ ضمنيّ على إيحاء النائب آغوب بقرادونيان، خلال تصريحه قبيل يوم واحد، بأن اللقاء كان مثمراً جداً وحظوظ التحالف بين المر والتيار مرتفعة جداً. وبحسب أحد المسؤولين العونيين، ما سبق ليس بمصادفة أبداً، بل نتيجة قرار سياسي حاسم بوضع حدّ لتجاوزات المر وتمدد امبراطوريته. من جهة أخرى، حسابات الماكينة العونية ــ إذا ما توافرت الارادة السياسية للتحالف مع المر ــ لا تشجعهم على هذا التعاون؛ فالأرقام تقول إن ضمّ أبو الياس يخسّر العونيين مقعداً، لأنه سيستعمل رافعتهم لضمان حاصل انتخابي لا يملكه بقوته الشخصية. وبالتالي سيحلّ محل أحد المرشحين الحزبيين المفترض فوزهم. لذلك يبدو هذا التحالف مستبعداً جداً، أقله من الجانب العوني. إزاء ذلك، عاد التداول باسم النائب غسان مخيبر، الذي بعكس المر، يشكل قيمة مضافة للائحة. وتجدر الاشارة الى أن التيار حسم أسماء أربعة مرشحين من أصل 8، هم النائب إبراهيم كنعان عن المقعد الماروني، والياس بو صعب عن المقعد الأرثوذكسي (رغم أن الأخير لا يزال يربط ترشّحه باعتذار تقدّمه له قناة «أو تي في» بسبب هجومها عليه قبل أسابيع)، وإدي معلوف عن المقعد الكاثوليكي، فيما المرشح الرابع هو مرشح حزب الطاشناق وأمينه العام النائب آغوب بقرادونيان الذي يخوض المعركة مطمئناً إلى نيله غالبية أصوات الأرمن. في ما عدا هؤلاء المرشحين، لا يزال التيار يبحث في باقي أسماء المرشحين الموارنة مع عودة التداول باسم النائب سليم سلهب، بعد أن أثبتت الاستطلاعات ضعف باقي المرشحين.
من جهة أخرى، يتابع التيار الوطني الحر جولاته على الأحزاب والقيادات السياسية، وكان قد عقد لقاءً مع الحزب القومي وآخر مع القوات على مستوى ماكينتي الحزبين أمس. في الاجتماع الأول تركت الأبواب مفتوحة الى حين حسم القوميين لمرشحهم وجلاء التحالفات مع مختلف الأطراف، على اعتبار أنه لا يمكن أن يكون القومي والقواتي على لائحة واحدة. وفعلياً، تلك المسألة قد تحسم قريباً، إذ توصل الاجتماع الثاني بين الماكينتين العونية والقواتية الى خلاصة أن «حظوظ التحالف بين الحزبين مرتفعة في الشوف وعاليه ومتدنية في دوائر جبل لبنان الأخرى». وبالتالي، من المفترض أن ترتفع حظوظ تحالف التيار مع القومي في الأيام القليلة المقبلة.

حرب القدامى بين القوات والكتائب

قبيل بدء المفاوضات بين التيار والقوات، كان القواتيون يعدّون للائحة في المتن الشمالي بالتعاون مع مستقلين، على ما يؤكده المرشح القواتي الرسمي عن المقعد الماروني إدي أبي اللمع لـ«الأخبار». وحتى الساعة، تضم هذه اللائحة، الى جانب أبي اللمع، رئيس حركة «مستقلون» رازي الحاج والرئيس السابق لمجلس الأقاليم والمحافظات في حزب الكتائب ميشال مكتف. والأخير هو الصهر السابق لآل الجميّل، كان قد خرج من الحزب نتيجة خلاف مع سامي الجميّل بعد اغتيال النائب بيار الجميّل. ولكنّ الرجلين تصالحا قبل نحو شهر. ورغم عرض الجميّل على مكتّف الترشح على المقعد الكاثوليكي ضمن اللائحة التي يشكلها الكتائب، يفضّل الكتائبي السابق التحالف مع القوات، على ما يقوله المقرّبون منه، مع عدم إقفاله الأبواب أمام الكتائب.
رصيد القوات في المتن الشمالي لا يبلغ الحاصل الذي يتوقع أن يصل الى 14 ألف صوت، فيما يقدّر المستطلعون رصيد الكتائب بحاصل ونصف حاصل. وكما الحال عند القوات، لم تقفل بكفيا لائحتها بعد، وتقتصر الأسماء اليوم على ثلاثة مرشحين موارنة: النائب سامي الجميّل، وعضو المكتب السايسي في الكتائب الياس حنكش، والقائد السابق للقوات اللبنانية فؤاد أبي ناضر الذي تعوّل عليه القيادة لسحب أصوات من لائحة القوات، تماماً كما تعوّل القوات على قدرة مكتّف على استمالة أصوات كتائبيين. أما المرشح الماروني الرابع سركيس سركيس فلم يحسم أمره بعد، ويقول المقرّبون منه إنه «لن يقع في فخ الجميّل الابن مجدداً، إذ كان يموّل اللائحة من كيسه في الوقت الذي يعمل الكتائبيون على تشطيبه». والتشطيب الذي يتحدث عنه سركيس ليس دقيقاً، بل يبدو أقرب إلى دعاية لتبرير رسوبه ورفع موقفه التفاوضي، إذ يُظهر فارق الأرقام التي نالها المرشحان في الانتخابات النيابية السابقة، والذي لا يتعدى 2500 صوت (نال الجميّل 47698 وسركيس 45262 صوتاً)، أن الكتائبيين لم يتعمّدوا تشطيب سركيس. وقد يكون عنوان معركة الأحزاب في الانتخابات المقبلة ربح العدد الأكبر من المقاعد، إلا أن الجميّل يزيّن معركته من منظار آخر، رغم طموحه بربح مقعدين. الحرب هنا شخصية بين الأخير والنائب إبراهيم كنعان، بعد 9 سنوات من حرب الاستطلاعات التي يتباريان فيها على زعامة المتن. والتحدّي الرئيسي اليوم لدى الجميّل هو في كسر رقم كنعان الذي تصدر المركز الأول في عامَي 2005 و2009، الذي يترجم في القانون النسبي بعدد الأصوات التفضيلية.