هل كان جمال خلّوف ليموت، أمس، لو لم يقض نحو شهرين في زنزانة مخفر رديئة؟ مَن يَعلم! مات أمس لحظة مثوله أمام المحكمة، في عدليّة طرابلس، بعدما نُقِل إليها مِن مخفر العريضة. كان في عقده السابع، يُعاني ارتفاع الضغط، يأخذ دواءً، وقد نُسي في تلك الزنزانة بعدما أُدخِل إليها «على سبيل الوديعة».


كان يجب، بحسب القانون، أن يكون نزيل سجن للموقوفين، بانتظار موعد محاكمته، ولكن السجون مكتظّة بنزلائها هذه الأيّام في لبنان، وهي كذلك مِنذ سنوات بعيدة، وليس جمال أوّل مَن تُقرّب زنازين المخافر أجله. غرفة صغيرة، لا ترى الضوء، ليست معدّة لأن يقضي فيها الموقوف، بحسب القانون مرّة أخرى، أكثر مِن أربعة أيّام. غرفة لا تحوز أبسط مواصفات السجون (المعدّة للإقامة البشريّة). بعض زنازين المخافر، الأقرب إلى علب السردين، تحوي أحياناً عشرات الموقوفين (على سبيل الوديعة أيضاً). تضاؤل الأوكسجين يكفي سبباً للموت (فضلاً عن مختلف صنوف القذارة). يُمكن أيّ مواطن، غير مدعوم سياسيّاً، أن يدخلها. لا تحتاج إلى أن تكون قاتلاً أو تاجر مخدّرات ليُزجّ بك خلف قضبانها، إذ يكفي أن يُشتبه فيك، مجرّد شبهة، بقضيّة شيكات مزوّرة مثلاً، أو بشهادة على أوراق غير صالحة، كحالة جمال.
مِن أسباب تأخر مكوث الأخير في الزنزانة المذكورة، بحسب شقيقه مظهر، هو حصول «خطأ» في التبليغات، إذ أرسلت المحكمة الأوراق إلى فصيلة التل بينما هو يقبع في مخفر العريضة. ضلّت الأوراق طريقها! وهكذا نُسي الرجل، إلى أن «عثَرت» السُلطات عليه داخل أحد أقبيتها، فنقلته إلى المحكمة، فوقف أمام القاضي، فمات. هو أب لثلاثة أبناء. هؤلاء مات والدهم الآن. قد تكون المسألة بالنسبة إليهم «قضاءً وقدراً». ليس عليهم أن ينتظروا تحقيقات في ما حصل. ليس عليهم أن يظنّوا، ولو مجرّد ظن، أنّ والدهم قد نقص عمره في قبو العتمة ذاك. ليس عليهم أن يسألوا القاضي الذي يأمر بالتوقيف، والضابط الذي يَحتجز، والسياسي الذي يعد ببناء سجون جديدة ويكذب، ثمّ ينهب، ثم يكذب... ليس عليهم أن يسألوا كلّ هؤلاء إن كانوا سينامون ملء جفونهم.