باقٍ ويتمدّد. هذا هو حال مكبّ مدينة طرابلس الذي صار أشبه بقنبلة موقوتة لا يعرف «جيرانها» متى ستنفجر. واليوم، لم يعد همّ أبناء المدينة تلك الرائحة الكريهة العابقة في شوارعهم، بقدر ما صار الهمّ مربوطاً بساعة الانفجار. يحدث كل هذا، فيما البلدية تتفرّج منتظرة وقوع الكارثة الكبرى، والتي تنبئ السيناريوهات أن تكون على شاكلة ما حدث في صيدا، عندما انهار المكب.


هكذا، تواجه البلدية المستقبل. بالفرجة. أما الحلول الجذرية التي تجنّب المدينة كارثة حقيقية، فلا تسعى لها لا البلدية ولا حتى الأطراف السياسية هناك. فأبسط الإيمان في مثل هذه الحالة هي إقفال المكب، وهو ما لم تفعله البلدية إلى الآن، برغم علمها المسبق بخطورة ما يمكن أن يحدث. وهنا، لا تقف بلدية طرابلس عاجزة. فهذه الكلمة ليست دقيقة لتوصيف الواقع، فكل ما في الأمر أنها لا تأخذ القضية على محمل الجد. والدليل؟ أنها تتابع أعمالها، كأن شيئاً كارثياً لن يحدث.
وأكثر من ذلك، علمت «الأخبار» أنه جرى توقيع عقد بين بلدية طرابلس ومنظمة «الأونروا»، يقضي بتحويل نفايات مخيم نهر البارد من مكب سرار في عكار إلى مكب طرابلس! ولهذه الغاية، استحدثت بلدية طرابلس مساحة ضمن مكب النفايات الذي استحال مع الوقت جبلاً، «لاستقبال نفايات نهر البارد والتي تبلغ قرابة 25 طناً يومياً، وحري تجديد العقد منذ أسبوع على مدى شهرين»، تقول المصادر. وتضيف أن «الأونروا» وجدت في العقد مع البلدية أن هذا الأمر «سيوفّر عليها الكثير من المال، خصوصاً أنه سينخفض إلى حدود النصف عما كانت تدفعه في مكب سرار العكاري».
من جهته، يرفض رئيس بلدية المدينة، أحمد قمر الدين، هذا الأمر، نافياً أن «يكون وراء استقبال نفايات المخيم أي صفقات مادية». وقال إن «نفايات مخيمي نهر البارد والبداوي كذلك كانت تاتي إلى مكب طرابلس منذ فترة، ولكن جرى توقيفها لفترة». وعن تجديد العقد؟ يقول قمر الدين إنّ لا علم له «بالجهة التي جرى توقيع العقد معها». يضيف «ربما الأونروا. لا أعلم».


وصل ارتفاع المكب إلى 39 متراً فيما الشروط تفرض ألا يتجاوز 10 أمتار

وأشار إلى أن البلدية أعطت فترة سماح شهرين لنفايات نهر البارد والبداوي، والتي تبلغ 45 طناً، مقابل مبلغ مقطوع، إلا أنه لا يعلم قيمته! ويلفت إلى أن هذا الأمر ليس طويل الأمد «بانتظار التوصل إلى عقد آخر مع مكبات المنية أو المحمره أو سرار في عكار لاستقبال نفاياتها».
ولدى سؤاله عن خطورة المكب، لم يخفِ قمر الدين تخوفه من «حدوث أزمة أو كارثة»، ولكنه لا يملك حلولاً جذرية. ليس باليد حيلة، يؤكد. يعلم رئيس بلدية المدينة أن «المكب لم يعد يملك القدرة على الاستيعاب، ولكن ماذا بمقدورنا أن نفعل؟». يجيب على سؤاله «لا شيء»، ثم يقول إن «الحكومة هي من أقرّ توسيع المكب الى الجهة اليمنى منه، وهو ربما يكفي لسنتين فقط».
ما باليد حيلة. هذه خلاصة الرد الرسمي لبلدية المدينة. الخطر قائم إذاً. وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير البيئي جلال حلواني أنّ «تشققات جدرانُ المكبّ آخذة بالاتساع بشكل كبير، وإن لم تصل حتى الآن إلى مرحلة التصدع لاعتماد باتكو سياسة الترقيع كل ما دعت الحاجة إلى ذلك». هذا الترقيع لا يلغي الأزمة «فبين ساعة وضحاها ستكون آلاف الأطنان من النفايات قد وصلت إلى مياه البحر الأبيض المتوسط، محدِثة كارثة بيئية». وهي التي «كادت أن تحدث قبل فترة جراء الأمطار الغزيرة التي هطلت، واستطعنا تجاوزها على خير».
كذلك يكشف حلواني أنه «كان من المفترض أن تراعى في المكب شروط بيئية معينة، منها أن لا يتجاوز ارتفاع النفايات فيه الـ10 أمتار على فترة 5 سنوات، وكان يفترض إغلاقه في عام 2010». اليوم، دخل المكب عامه الثامن ما بعد فترة انقضاء المهلة الأساس، وقد وصل «حده الأقصى إلى حدود 39 متراً، وما زال إلى الآن يستقبل يومياً نحو 400 طن من النفايات من مدن طرابلس والميناء والبداوي والقلمون». واعتبر أن الصمود في المرحلة المقبلة يقتصر «على ستّة أشهر وهي أصلاً فترة خطر، فإذا تمكنّا من تخطّيها دون أيّ كوارث فتلك نعمة كبرى». ماذا إذا وصلت نفايات المكب إلى البحر؟ يجيب حلواني «سنكون أمام كارثة بيئية كبيرة نتيجة تسرّب عصارة النفايات إلى المياه، وهو ما سيؤثر حتماً على الثروة السمكية». وستتجلى انعكاسات ذلك على المدينة بيئياً وسياحياً واقتصادياً وتجارياً.
ما قاله حلواني، قالته مصادر في بلدية طرابلس، مشيرة إلى أن «الشروط البيئية مهدورة في مكب طرابلس، إن كان من جهة الطمر أو حتى في الفرز، فالروائح الكريهة المنبعثة من جهة المكب تأتي نتيجة تخفيض الشركة المكلفة لكميات الأتربة التي تردم من خلالها النفايات». في وقت أنه «من المفترض أن تُعزل النفايات بسماكة 5 سنتمترات وهو ما يمنع انبعاث الغازات والروائح، كما يمنع أي تفاعل للأوكسيجن والغازات الطبيعية، تعمد الشركة إلى ردم النفايات بسماكة 2 سنتم، للتوفير أولاً في كميات الأتربة وللتخفيف من حجم ارتفاع المكب المعرض للانهيار في أية لحظة».