عام جديد مرّ على رحيلك، تغيّرت فيه، أيضاً وأيضاً، أشياء كثيرة. نحو الأسوأ غالباً. إزداد الأفق قتامة، ونحن نسأل أنفسنا عن سرّ تلك الطاقة التي ما زالت تسكننا وتحركنا، بين المكاتب القديمة التي يحوم حولها طيفك. على مستوى الحياة السياسيّة لم تبخل علينا الأشهر الماضية بالمفاجآت التي كانت ستفتح شهيّتك على التحليل والتنظير، وتشحذ عزيمتك على النقاش والمواجهة والسخرية المرّة.


عُلّقت أزمات وتفاقمت أخرى، وحكاية إبريق الزيت إيّاها. العلّة نفسها طبعاً: هذا البلد تحكمه طبقة فاسدة إلى حد، وعاجزة إلى حد، يجعلها غير قادرة على التخلص من النفايات، وايصال الكهرباء إلى المنازل، والحدّ من الهدر، فكيف ببناء دولة حديثة والتحضير للمستقبل؟ وبدل حماية المواطنين من المهانة والخوف والجهل، تبرع في تجييش الرعايا واستعبادها وتضليلها.
بعض النخب التقدّميّة سابقاً، ماض في خياناته وتنازلاته، مع كل التبريرات الايديولوجيّة اللازمة. ما كنا نتفرّج عليه مشدوهين في تسعينيات القرن الماضي، بصفته عارضاً محدوداً يبقى الاستثناء لا القاعدة، يبدو في النتيجة بروفة متواضعة وبسيطة للتراجيكوميديا التي تجتاحنا اليوم. وعلى مقبرة الديناصورات، نشهد صعود نخب جديدة تبشّرنا بـ«غد أفضل» مجبول بسرطان التبعيّة والليبراليّة. في تلك الأثناء، النظام الطائفي ــ المافيوي يواصل تأكّله واهتراءه وانهياره البطيء، غارقاً في مسخرة لم تكن لتتفتق عنها مخيّلة أعظم كتّاب المسرح من أرسطوفان إلى أوجين يونسكو. أما المشروع البديل الذي طالما شكّل خريطة طريقك، فما زال يفتقر إلى القوى والقيادات والرموز القادرة على حمله والدفاع عنه، وزرع بذاره في وعي الشعب بمختلف شرائحه وفئاته. وحدها البدائل المغشوشة تحتل دائرة الضوء، بدعم اعلامي مشبوه. «سايبر فاست فود» مسموم يمهّد لصعود طبقة جديدة من اللصوص والسماسرة والخونة. هؤلاء هم «أبطال» «الأممية» الجديدة، يشكّلون الوجه الآخر للانحطاط عينه، والهزيمة المعلنة نفسها.
ها نحن على أبواب انتخابات نيابية، كنت ستستمتع في مواكبتها، انتخابات هناك من يريد إقناعنا أنّها تشقّ باب الأمل، وتفتح «صفحة جديدة» في تاريخ النظام اللبناني. وكل ما في الأمر أننا زدنا على صفقات قطّاع الطرق، ووساطات المقاولين والسماسرة، وتفاهمات ملوك الطوائف، سيركاً صغيراً أشبه بـ«ستار أكاديمي» سياسي يخلط بين الديمقراطيّة والاستعراض. بعد النجاح المنقطع النظير لـ«تلفزيون الواقع»، اخترعنا كرنفال «التغيير» الافتراضي.
أما بعد، فليتك كنت هنا لترى كيف جاء الكاوبوي الأميركي ليملي علينا حقوقنا ومصلحتنا الوطنيّة، وكيف تَدافع كثيرون على بابه كالتلامذة الشطّار. آه صحيح، لعلّك سمعت أننا أصبحنا رسميّاً دولة نفطيّة. مبروك. لم يكن ينقصنا إلا لعنة كهذه. دولة نفطيّة بلا شركة وطنيّة طبعاً. بلا قدرة على التحكّم في آليات عمل الشركات الأجنبيّة وحجم انتاجها. ولا في تحديد نصيبنا من الأرباح، ولا في ما سيصل فعلياً إلى صناديق الدولة. هل سنؤمّن هؤلاء الحكام على ثرواتنا الوطنيّة الموعودة حقاً؟ أم سينهار ما تبقّى من نظام اقتصادي منتج، لنعيش شعباً خاملاً من السماسرة، على فتات عائدات النفط والغاز؟
أحد عشر عاماً مرّت على رحيلك في الخامس والعشرين من شباط/ فبراير. الأمور ازدادت سوءاً، لكن ما هم؟ نحن هنا، على العهد. انتهت معارك وتفاقمت حروب، سقطت رهانات وانطلقت مغامرات انتحاريّة أخرى، ومشاريع استسلامية جديدة. الجرح السوري المفتوح تحوّل إلى ساحة مواجهة كونيّة، بل قل إلى ثقب أسود سيبتلع «العالم الحرّ»… إلى مجاز عن الحروب التي تخاض بالنيابة أو بالاصالة ضد الشعوب العربيّة… إلى رمز يختصر كل اللعنات التي خرجت من علبة بندورا المسماة «ربيعاً»، لتُفتّتَ مجتمعاتنا، وتُعدَّنا لهزيمة شاملة. المعركة اليوم هي على مستوى اللغة أوّلاً، تحرير اللغة قبل تحرير الأرض. علينا أن نحرص على تسمية المواجهة الشاملة مع العدو بإسمها، فيما تُرصد المليارات لتزويرها وتحريفها واعطائها أشكالاً مخادعة ومضللة. هذا الهدف وحده يغري بمواصلة الكفاح.
العدو الإسرائيلي يحمل هزيمته في صلب كيانه، ويعرف أنه مهزوم في النهاية… لكن المواجهة ستكون صعبة، وقاسية، ومكلفة، وطويلة. ضدّ أميركا مباشرة على الأرجح، هذه المرّة. ألا يبدو لك ذلك مغرياً؟ وضد الرجعيات العربية التي لم تعد تخفي وجهَها الحقيقي، وخضوعَها المروع لأعداء العروبة، وتواطؤَها على بيع ما تبقى من فلسطين. الآتي سيكون أصعب يا رفيق. وسنحتفل بذكراك أكثر من مرّة ربّما، من قلب الليل العربي، قبل أن يبزع الفجر. هذا يجعل من استعادتك كل عام، بل كل صباح، ضرورة حيويّة. فالموعد مع جوزف سماحة هو موعد مع الثوابت في زمن الخيانات والتنازلات وتشوّش الرؤيا وفقدان المعايير.
نطمئنك إلى كوننا هنا، كما تركتنا، كما أردتنا، في المرصاد أكثر من أي وقت مضى. مؤلّفين بين التناقضات. منشغلين باستقطاب مختلف شرائح الرأي العام واقناعه، وتجاوز الانقسام المفتعل، ومراعاة الأصول الاخلاقيّة والقواعد المهنيّة التي علّمتنا إيّاها. ظهرت صحف وأقفلت صحف، و«الأخبار» باقية وتتوسّع. «الأخبار»، بمشاريعها المقبلة على الورق، وفي العالم الرقمي، بتوسعاتها ونموّها، باقية في الخندق، تحت لواء المقاومة، متمسّكة بعقدها التأسيسي، كما صغته عشيّة انطلاق هذه «المغامرة المحسوبة». ما زلنا منتمين «سياسياً إلى معسكر رافضي الهيمنة… ومهنيّاً إلى معسكر الحرص على الديمقراطيّة والتعددية والحداثة والثقافة الابداعيّة». ورغم كل أشكال الحصار، رغم الحرب الكونيّة ضدّنا، على الجبهات الداخليّة والخارجيّة… تبدو فلسطين قريبة منا أكثر من أي وقت مضى. أنت، حيثما كنت، يمكنك أن تستشرف ذلك.