أحدث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، في خطابه العالي أول من أمس، تغييراً أساسياً في الحوار حول موضوع الانتخابات في بعلبك ـــ الهرمل وغيرها، وذلك على مستوى كل من المنهج والإشكالية والهدف والوظيفة وتحقيق المراد.

في المنهج:
وضع الأمين العام النقاش حول الانتخابات في مدار حوار العقل والأهل والتشاور في الأمر والنظر في المصالح والإصلاح والصلاحيات. وهذا يحوّل النقاش إلى بحث عن المصالح والتصالح حولها بعد تعيينها، ومعرفة طبيعة المرحلة وما يتعلق بشأنها في أمر الانتخابات. الحوار كان، ولا يزال، مفتوحاً بين حزب الله والناس. تدخل فيه اعتبارات العقل والمنطق والأصول.

ومنهجية الحوار تدفع بالنقاش الانتخابي إلى ما فيه عموم الفائدة ولا يعود سفسطائياً يخالف العقل ويجافي المنطق. وعليه، تعالوا نبحث في موقع بعلبك الهرمل في لبنان وما تعنيه الانتخابات الآن وما أثرها على الوضع الوطني العام. فالانتخابات برلمانية لا بلدية. وعليها يتوقف مصير خطط إصلاحية في مسار النظام اللبناني ويتعين موقع القوى اللبنانية في ميزان القوى العام الوطني والإقليمي. وعليه، فإن الأمر أكثر مسؤوليةً مما اعتدناه من النقاش في أمر الانتخابات في مراحل كانت ذات آثار محلية وطنية عادة. مع ذلك، يؤيد هذا المنهج حرية الرأي والحوار والمشاركة.
في الإشكالية:
الإشكالية التي طرحها الخطاب ليست في ما قدم نواب حزب الله في الدورة السابقة ــــ وهو ما كان موقع تقييم من مجلس الشورى في الحزب، وله ما له وعليه ما عليه مثل كل الكتل النيابية الأخرى ــــ بل في السؤال الصحيح، وهو: ما الذي قدمه حزب الله لمنطقة بعلبك الهرمل؟
جواب هذا السؤال يلزمه «حراس كاتبون»، لأن حزب الله قدم لبعلبك الهرمل (وللبنان والعرب والمسلمين) العزة والكرامة والسيادة والحرية والقوة والمنعة والأمن والاستقرار. قدم مرحلة تاريخية مذهلة في العطاء والمكاسب والانتصارات، وما لم يقدمه حزب سياسي في العالم لأمته. وقد كان لي شرف تمثيل الحزب في الحوار مع اليسار الإيطالي، بما فيه الحزب الاشتراكي الذي شارك في السلطة وسمعت ما سمعت عن استعدادهم للعمل والتعاون والتشارك مع حزب الله لمكانته العالية في النضال لحرية الإنسان المعاصر، ولنضاله ضد الإمبريالية الأميركية. وقمت في الجامعة اللبنانية بتدريس مسرحية «الذباب» لسارتر، وهي مسرحية مقاومة تناقش ما قدمه الحزب الشيوعي الفرنسي للمقاومة ضد الاحتلال وحقه المشروع في المشاركة في السلطة. كذلك أعرف ما قدمته المقاومة الفلسطينية. حزب الله، اليوم، ناصر فلسطين وقاهر ومحرر الأرض بالمقاومة ومنع إعادة احتلال الشرق الأوسط في مشروع بيريز وجورج بوش وكوندوليزا رايس. ومحيط البقاع صار آمناً مستقراً حراً أبياً بفضل دماء الشهداء وقيادة الحزب الحكيمة.
في موضوع الوظيفة
يشتد النقاش حول أمرين اثنين بشأن النواب:
1 ــ الخدمات والوظائف في الإدارات العامة
2 ــ التنمية
3 ــ التمثيل السياسي
1 ــ في الخدمات:
يقوم النائب على تأدية الخدمات لناخبيه، وتتوزع بين الوظيفة والرعاية والمساعدة والدعم. يقوم النواب ـــ كل النواب ـــ بهذه الوظائف على قدر الوسع لأنها من مهماتهم وفيها مصلحتهم الانتخابية. لكن مرات تكون لقوم على حساب آخرين. وهنا يرتفع الصوت. وعليه، فإن الأمر يجري عبر:
1 ــ تحسين الإدارة واعتماد الكفاءة عبر مجلس الخدمة المدنية ودعم صلاحية مؤسسات الرقابة ومنع أشكال الدولة الوظائفية. وقد كنت وزيراً لحزب الله، وكنا نعمل لخدمة الناس والعدالة الوظيفية عبر وضع السياسات الحكومية. ولعل تنظيم العمل السوري والفلسطيني، وإصلاح ومكننة الضمان وخطة إصلاح الضمان، وتتظيم العمالة وتعديل قانون العمل وتعويض العمال، وحرب تموز وزيادة الأجور بعد اثني عشر عاماً، والحوار مع النقابات وتعيين الهيئات الأكثر تمثيلاً للمجلس الاجتماعي الاقتصادي... إلخ، مما لا مجال لذكره ولا ضرورة. لكن أقصد القول إن الوزارة سياسات وليست خدمات بالمعنى الضيق. وكذلك كان أمرنا في الكهرباء والزراعة والصناعة والرياضة والإدارة...
توجد في حزب الله لجنة عمل حكومي تراقب الأمور، ومكتب للدراسات وتقييم ملفات المرشحين للوظيفة. وحزب الله لديه أكبر مركز للدراسات الاستراتيجية والإنمائية والإدارية ربما في الشرق الأوسط.
أنا أعرف أن حزب الله في كثير من الأمور ميّز منطقة بعلبك الهرمل عن سواها، على قاعدة أحب الأولاد إلى والدهم غائبهم حتى يعود ومريضهم حتى يشفى وصغيرهم حتى يكبر.
في الخدمات الأخرى، يمكن دعم الأمن وتوفير أسواق حرة مع سوريا، وزيادة الضابطة العدلية والقضاة، والعمل على المصالحات، ودعم العلاقة مع مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني ومكافحة الجريمة والمخدرات وتنمية القطاعات الإنتاجية الزراعية والتجارية والصناعية والسياحية... إلخ.
في التنمية
التنمية المستدامة والعادلة هي المراد والمطلوب والتي تخلق فرص عمل وتقضي على البطالة. وذاك يتطلب التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص.
القطاع العام مسؤولية الدولة. يوفّر الأمن والصحة والتعليم والكهرباء والمياه والطرقات وأمور الإدارة والقضاء، فيما القطاع الخاص يتولى الاستثمار في قطاعات الإنتاج ويحقق التنمية ويوفّر فرص العمل.
يُعَدّ حزب الله ثاني رب عمل بعد الدولة في لبنان. وله في بعلبك الهرمل مؤسسات عدة، كما في الضاحية والجنوب وكل لبنان. وهذه توفّر فرص عمل للبنانيين. أثناء تحملي مسؤولية وزارة العمل ممثلاً لحزب الله، طرحت على قيادة الحزب فكرة تشجيع رأس المال اللبناني المغترب على الاستثمار في بعلبك الهرمل، وبقية المناطق. وقمت بزيارة لثلاثة بلدان في 25 أيار 2006، هي البرازيل ونيجيريا وساحل العاج، لتشجيع رأس المال المغترب على الاستثمار بقيمة 10% على الأقل في لبنان. لاقى هذا المشروع قبولاً واسعاً، لكن حرب تموز 2006 منعت تنفيذه.
الشيعة المعترضون أصناف:
1ــ من سبق أن كان نائباً أو وزيراً أو في محل مسؤولية.
2ــ من ينتسب إلى قوى المجتمع الأهلي من عشائر وعائلات ووجهاء ومشايخ صلح وأهل خبرة وتجربة.
3ــ من ينتسب إلى أحزاب سياسية لبنانية.
4ــ من أصحاب العلم والمال.
لا مشكلة مع أحد منهم في معركة ديموقراطية، لكن تعالوا إلى حوار العقل والأهل بيننا. كل منكم يجد نفسه ممثلاً في بنية حزب الله الذي تحالف مع الإخوة في حركة أمل. وهذه الثنائية تكشف عن قاعدة المشاركة وليس التفرد في الإدارة السياسية عند المسلمين الشيعة. أمل تمثلكم أيضاً كما يمثلكم حزب الله والحزب القومي وأحزاب 8 آذار. والمرشحون الذين حازوا هذه الدورة ثقة السيد وشورى حزب الله لينالوا معها ثقتكم هم من أبنائكم ومن عشائر بعلبك الهرمل وعائلاتها. وعليه، نحن جميعاً ممثلون فيهم هذه الدورة... إلا من كان في المعنى السياسي مغايراً، فله الحق في اللعبة الديمقراطية النسبية، ولا مشكلة في ذلك.