منذ الثاني والعشرين من تشرين الثاني الماضي، مع عودة الرئيس سعد الحريري من إقامته الجبرية في الرياض، خرجت السعودية من دائرة التأثير المباشر في الملف اللبناني. علاقتها بالحريري صارت ملتبسة، من دون أن تعيّن له «خليفة» في منصب الحليف الأول للرياض. يوماً بعد آخر، تتّسع المسافة التي يأخذها رئيس تيار المستقبل عن دائرة القرار في شبه الجزيرة العربية. لا ترضى بوضعه الاستقرار أولوية على ما عداه، ولا تقتنع بسعيه إلى الاستثمار في الهدوء الداخلي لمواجهة حزب الله عبر الرهان على ابتعاد حلفاء المقاومة عنها.


انتهج السعوديون خيار المواجهة في كافة دول الإقليم، ولا تستقيم سياستهم مع مواقف الحريري «المهادنة» لحزب الله، وآخرها ما بثّته أمس قناة «أم تي في»، لجهة قوله إن حكومته لا تريد «أخذ سلاح حزب الله. وفي رأيي، حزب الله مش غاوي يحمل سلاح. قام بمهمة ويتمنى أن تكون الدولة قوية ليسلّم السلاح عاجلاً أو آجلاً، وبالتوافق مع الجيش اللبناني».
على جبهة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، لم تهضم السعودية انتخابه بعد، رغم محاولة الحريري تزيين مواقف عون والتيار الوطني الحر في عيون واشنطن والرياض. يُضاف إلى ما سبق علاقة متوترة مع رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، وتشتت حلفائها بعد فشل محاولتها الانقلابية يوم احتجزت رئيس الحكومة وأجبرته على الاستقالة، وأحدثت شرخاً في علاقتها به. على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، بدت السعودية مستقيلة من أي دور لها في لبنان.
اليوم، تعود الرياض إلى بيروت، عبر موفدها الجديد نزار العَلَوْلا، الذي يصطحب معه القائم بالأعمال السابق وليد البخاري، ليجولا على الرؤساء الثلاثة، وعدد من سياسيي ما كان يُعرف بفريق 14 آذار (كرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع والوزير السابق أشرف ريفي)، إضافة إلى شخصيات سيلتقيها الوفد بعيداً عن الإعلام.


بري لـ«الأخبار»: لا أتبنّى
اقتراح رئيس الجمهورية
بشأن التحكيم

الجولة في الدرجة الاولى استطلاعية. لا يمكن الرياض تأجيل عودتها إلى بيروت إلى ما بعد الانتخابات النيابية، إذ سيكون من الصعب عليها وقتئذ التأثير في تحالفات ما بعد الاستحقاق في حال تفويتها فرصة ترتيب بعضها اليوم. الأميركيون والبريطانيون يثيرون في غالبية لقاءاتهم، خارج لبنان وداخله، مسألة الانتخابات، محذرين من «خطورة حصول حزب الله على الأكثرية»، وأضيف إليهم العدو الإسرائيلي الذي أبلغ موسكو قبل أيام «انزعاجه» من الأمر نفسه. الموفد السعودي يأتي في السياق نفسه، وإن في إطار استطلاعي للأوضاع الانتخابية، وما ستؤول إليه التفاهمات وأحوال من يتأثرون بالرياض، تمهيداً لإقرار آلية الدعم للقوى التي ستسعى الرياض إلى تمويلها بما يمكّنها من تعزيز حضورها الانتخابي.
وفيما يفترض أن يزور العلولا والوفد المرافق له رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعد ظهر اليوم، لفتت مصادر سياسة إلى أن «لقاءه بالرئيس سعد الحريري سيكون خاصاً، لكن غير معروف حتى الآن ما إذا كان سيتحدث اليه بشأن التحالفات الانتخابية»، مؤكّدة أنه «سيوجه إليه دعوة لزيارة الرياض». وأكدت مصادر مستقبلية أمر الدعوة، مشيرة إلى أن «هذه الزيارة ستدفع رئيس الحكومة إلى حسم أمر التحالفات، خصوصاً أن الجميع مرتبك نتيجة عدم اتخاذ الحريري قراره النهائي». ويأمل مقرّبون من رئيس الحكومة أن يتمكّن من إقناع السعوديين بصوابية خياراته، وخاصة لجهة التحالف مع التيار الوطني الحر «الذي بات يُظهر تمايزاً عن حزب الله». وأكدت المصادر أن «مؤتمر باريس 4 الاقتصادي الذي سيخصّص لدعم الاستثمارات ويتوقع عقده في آذار 2018، سيكون على طاولة البحث مع الموفد السعودي»، لافتة إلى أن «فرنسا ضغطت في اتجاه ترميم العلاقة بين الحريري والرياض من أجل إنجاح هذا المؤتمر الذي لا يمكن عقده من دون حضور المملكة».
من جهة أخرى، علّق الرئيس برّي على زيارة الموفد السعودي بأنه «لا يعلم خلفية هذه الزيارة بعد»، مشيراً إلى أن العلولا «طلب موعداً من الرئاسة الثانية، التي أبلغته عدم وجود مواعيد يوم الإثنين»، فاستفسر عمّا إذا كانت هناك مشكلة بروتوكولية في لقاء رئيسي الجمهورية والحكومة قبل لقاء برّي، فكان الجواب أن لا مشكلة في ذلك، وحُدّد الموعد بعد ظهر الثلاثاء.
على صعيد آخر، وتعليقاً على اقتراح الرئيس عون، في حديثه مع قناة «السومرية» العراقية، اللجوء إلى التحكيم الدولي في ملف النزاع حول الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي، أكّد بري لـ«الأخبار» تحفّظه على هذا الطرح، مشيراً إلى أنه لا يتبنّاه «بالمطلق خوفاً من أي ضغوط دولية في هذا المجال». ولفتت مصادر متابعة للملف إلى أن اللجوء إلى التحكيم قد يكون متعذراً من الناحية الإجرائية، لأن إسرائيل لم توقّع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
(الأخبار)