أكثر من خمسة وثلاثين عاماً مرّت على خروج التنظيمات الفلسطينية المسلحة من لبنان. راحت السنوات ولم تنته القصّة التي نجحت لعبة أطفال على شاطئ مدينة صور، الأسبوع الماضي، في إزاحة الرمال عن أحد فصولها.


ففي العشرين من الشهر الجاري، عثر بعض الأطفال على بندقية قديمة على الشاطئ الجنوبي للمدينة، قبالة «حارة المسيحيين». بعد إبلاغ القوى الأمنية التي عملت على نقل القطعة الى ثكنة الجيش اللبناني في صور، اتخذ قرار بالحفر في المكان الذي وجدت فيه البندقية، فكانت المفاجأة: مستوعب حديدي كان يستخدم مخزناً لأسلحة المقاومة الفلسطينية.
في التفاصيل التي وردت بعد تلك العملية، أكدت بلدية صور التي شاركت في أعمال الحفر أن ما عثر عليه يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي. أما الحصيلة؟ «فبنادق خفيفة... ولا وجود لأسلحة من النوع الثقيل». بقيت القصّة رهينة الحي القريب من مكان اكتشاف المستوعب. لم يعرف الكثير من سكان الأحياء المجاورة بما حصل. لكنّها، كانت مفتاح الذاكرة بالنسبة لكبار السن الذين سمعوا القصة بالتواتر. فهم عاشوا في تلك الفترة التي كانت فيها «هذه الأسلحة فعّالة». سمعوا أزيزها، ورأوا أصحابها يحملونها قبل أن يلقوا بها إلى جوانب الطرقات عندما غادروا.


نحو أربعة عقود بعد رحيل المقاومة الفلسطينية ولا تزال قصص كثيرة
مطمورة تحت الرمال
يشير أبو محمد إلى حائط الكنيسة البارز في الحي القديم، ويقول «هنا وضع المقاتلون أسلحتهم مع الإجتياح الإسرائيلي. صفّوها وخرجوا قبل أن يأتي الجيش اللبناني ليتسلمها». لا يستغرب أبو محمد العثور على مخازن أسلحة. فبرأيه «الفلسطينيون كانوا على يقين بانهم سيعودون إلى صور وأنها ستشهد معركتهم الأخيرة».
يتحدث أبو طانيوس، الذي يعمل إسكافيا في الحارة منذ عقود، بأسف عن السنوات التي كانت فيها شوارع صور مليئة بـ«المتاريس»، حيث لم يكن هناك «لا أعداء ولا أصدقاء دائمين»، مشيرا إلى أن «القواعد العسكرية للمقاومة الفلسطينية كانت معروفة خاصة بالقرب من المخيمات، إلا أن المقاتلين إستخدموا مخازن سرية وكان الشاطئ أحدها». بالنسبة إلى أبو طانيوس فإن «هذه الأسلحة كما كل القصص التي عاشتها المدينة بات مكانها المتاحف، أو على الأقل هذا ما نأمله». في الواقع، لا يعرف سكان أحياء صور القديمة الكثير عن ما تم العثور عليه على الشاطئ، ولكنهم يتفقون على أنها «معدات صدئة، معظمها سوفياتي الصنع».
يتناقل سكان مدينة صور وقضائها قصص الأسلحة التي خلّفتها المقاومة الفلسطينية وراءها بعد إنسحابها مع قائدها ياسر عرفات في العام 1982 إلى تونس. بالنسبة لمريم، فإن الأسلحة التي يعثر عليها في كل فترة تؤكد أن «المقاومين الفاسطينيين لم يريدوا يوما الإستسلام»، مشيرة إلى أن والدها خبأ لهم في منزله بعض البنادق عندما بدأ الحديث عن إتفاق يتضمن خروجهم من لبنان، إلا أنهم «لم يعودوا، ما دفعه إلى تسليمها لاحقاً إلى فصائل لبنانية حتى لا يأكلها الصدأ».
ثلاثة عقود مرت على خروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان. ثلاثة عقود وكثير من القصص لا زالت مطمورة تحت الرمال، كما هي بعض مستودعات الأسلحة التي تركها أصحابها، تنتظر من يكشف عنها.