كشفت المذكرة التوجيهية التي أصدرها رئيس الجامعة اللبنانية فؤاد أيوب (ضرورة التزام الجميع في الجامعة بسلطته الرئاسية) وردود الفعل عليها، المستور في الجامعة، وهو غير مستور عن المعنيين بها، ويتبدّى هذا المستور في:

ــــ هزالة القضايا التى انبرى القيّمون على الجامعة لإثارتها والتصارع عليها، فأصبح التقيد بتعميمات الرئيس وانضباط الأساتذة بالدوام ومراعاة التوازن الطائفي والميثاقية هي القضايا، وغابت قضايا التفريع والتشعيب العشوائي، وانتزاع مجلس الوزراء صلاحية مجلس الجامعة، والاستنسابية في التعاقد والتدخل السياسي في التفريغ والترفيع والتعيين، ونقص المختبرات وضعف المكتبات.

فجاجة الإعلان عن خرق قانون الجامعة ونظمها والمنطق الذي يحكم عملها المتفرد، فرئاسة الجامعة تعلن في التعميم الرقم 3، غير المختلف عليه بين المتخاصمين، ضرورة مراعاة التوازن الطائفي والميثاقية في الترشيحات للمناصب الإدارية، وهذا خرق لقانون الجامعة وللدستور ولأصول العمل الأكاديمي، وبيانات المكاتب التربوية كافة، التي صدرت حتى الآن، خرقت القانون؛ فبيان المكتب التربوي لحركة أمل والتعبئة التربوية لحزب الله أورد «توصلنا الى إيجاد حل لمسألة التعميم الرقم 2 (التوقيع على جداول الحضور»… «ورغم غياب أطراف أساسية في جلسة الرابطة، في وقت تسلتزم فيه الدعوة إلى الإضراب حداً معقولاً من التوافق والميثاقية لإنجاحه»، وبيان اللقاء التقدمي لأساتذة الجامعة أورد «سيأخذ اللقاء المبادرة ... ويدعو المكاتب التربوية كافة إلى لقاء موسع لبحث مواضيع الخلاف وإيجاد الحلول»، وبيان المكتب التربوي في التيار الوطني الحر أورد أن بيان الرابطة «لم يحظ بالإجماع... وكان قد حذّر (التيار) مراراً من مغبة إصدار بيانات رسمية من دون إجماع كامل هيئتها...». ويعني ما استُشهِد به في بيانات هذه المكاتب تجاوزاً فجاً لهيئات ترعى الجامعة ولأصول العمل في أي هيئة في الجامعة، فهناك مجلس للجامعة يفترض أن تقر فيه قضايا الجامعة، لا في المكاتب التربوية، وهناك رابطة نص نظامها المعترف به على دورها النقدي، بما يعزز دور الجامعة العلمي والبحثي ويدافع عن مصالح الأساتذة، وهناك أعراف ونصوص في كل الهيئات في العالم تحدد أصول اتخاذ القرارات، وندر النص على الإجماع في ذلك.


سلطة رئيس الجامعة بديهية،
إلا أنها محكومة بالقانون،
وهي هنا إدارة جماعية

إنّ القضايا المختلف عليها (دوام الأساتذة، حق الرئيس بإصدار التعميمات وسلطته الرئاسية، حق الرابطة بالنقد) هي قضايا بديهية لا يجوز أن تُنقْض بديهيتها بطرحها للنقاش وإثارة الخلاف حولها، الأمر الذي يدفع الى التساِؤل لماذا كان هذا؟ ويندرج الجواب في احتمالين:
ــــ الأول تعمد المتنازعين، بتنسيق أو من دونه، إلهاء الأساتذة والطلاب والناس كافة عن المشاكل الكثيرة في الجامعة، وتغطي الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي العشرات منها، وتسكت هذه المكاتب ومعها رئاسة الجامعة والهيئة التنفيذية للرابطة عنها.
ــــ الثاني تدني الوعي القانوني والأكاديمي والنقابي عند القيمين على أمور الجامعة: فسلطة الرئيس بديهية، إلا أنها محكومة بالقانون، وهي هنا إدارة جماعية (رئيس ومجلس)، ورحم الله إدمون نعيم الذي كان يرفض إدراج أي بند على جدول أعمال الجامعة قبل عرضه على هيئة قانونية من كبار الحقوقيين، مع العلم بأنّه من كبارهم.
والتزام الأساتذة بدوام بديهي، أيضاً، لا بل إنّ المطلوب منهم التفرغ الكامل للعمل الأكاديمي، وللرئاسة وسائل وأساليب لضبطه، آخرها التوقيع على سجل للدوام، ومنها: ضبط العاملين منهم خارج الجامعة في عيادات خاصة ومكاتب محاماة وهندسة وجامعات خاصة وغير ذلك، وإيجاد الأطر التي تتيح للأستاذ العمل، تدريساً وبحثاً ومشاركة، وتكليف مجالس الفروع والكليات بذلك.
وحق الهيئة التنفيذية للرابطة بالنقد والتصويب بديهي، أيضأ، لا بل هو واجبها، وكذلك حقها في إصدار القرارات بالأغلبية التي نصّ عليها نظامها، إلا أنّ هذين الحقين يجب أن يستخدما لمواجهة المشاكل التي تواجهها الجامعة، فمع أهمية احترام خصوصية الجامعي وكرامته في التوقيع أو عدمه، فإنّ كرامته أن يعرف بأبحاثه لا بلقبه، وبتعليمه لا بتلقينه، وبترفعه عن الانقسامات السائدة لا الإنصياع لها.
ومع أهمية نقد الرئاسة في تجاوزها المجالس، فإنّ نقدها في تجاوزها أصول التعاقد مع الأساتذة وأصول تفريغهم أولى وأجدى، وكذلك نقد الرئاسة في الإقدام على الفتح العشوائي للشعب والفروع أولى وأجدى وكذلك في عشرات التجاوزات في الجامعة.
إنّ العمل السياسي حق مشروع للأساتذه، كما حق التعبير والكتابة، ولا ضير في انتماء أساتذة الى أحزاب وحركات حاكمة أو معارضة. لكن الضير والضرر أن تكون قضايا الجامعة معلقة على أجندة الخلافات بين هذه القوى، وخصوصاً أنّ خلافاتها طائفية وعلى الحصص، لا أن تكون خلافات هذه القوى على قضايا الجامعة وعلى الارتقاء بمهماتها التعليمية والبحثية وإنتاج النخبة الموحَّدة والموحِّدة، فيصبح الخلاف مدعاة لتفكك الرابطة وضعف أدائها وهزال قضايا الجامعة، بدلاً من تحويله الى مجرى تصب فيه كل القوى المتنافسة جهودها لتعزيز الرابطة ووحدتها ورفع أداء الجامعة.
* أستاذ متقاعد