سيكون على الوزير السعودي، ثامر السبهان، أن يتحمّل سماع اسم المواطن اللبناني نبيه عواضة مرّة أخرى. كذلك اسم وكيله المحامي حسن بزّي. سيكون عليه أن يتوقّع، عمّا قريب، أن يصله طلب استدعاء مِن محكمة التمييز اللبنانيّة، على أن يكون ردّه، وفق الأصول، ضمن مهلة قانونيّة. هذا وارد، يُمكن أن يحصل، ويُمكن أيضاً ألا يحصل. هذه نتيجة طلب الطعن الذي تقدّم به عواضة عبر وكيله، أمس، بقرار الهيئة الاتهاميّة في بيروت الصادر أخيراً. الهيئة صدّقت في قرارها، وإن في سياق قانوني مختلف، قرار قاضي التحقيق الأوّل غسّان عويدات، الصادر قبل نحو أسبوعين والخالص إلى عدم قبول شكوى عواضة ضدّ السبهان، وبالتالي «حفظ الأوراق» (لأكثر مِن سبب).


صحيح أنّ الهيئة الاتهاميّة صدّقت قرار عويدات، إلا أنّها، في إشارة لافتة، لم تأتِ على ذكر عبارة «مصلحة الدولة العليا» التي كان عويدات قد أوردها في قراره. الهيئة التي يرأسها القاضي ماهر شعيتو، وبعضويّة المستشارين جوزف بو سليمان وبلال بدر، كانت أكثر ذكاءً في تخريج نصّ قرارها، إذ بدت كلماتها «مخيّطة» بعناية، تحاشياً لأي ثغرة قانونيّة. لم تتورّط في ما ليس لها فيه. هذا في الشكل، أمّا في المضمون، فإنّ تأويل «انتفاء صفة» صاحب الشكوى جاء مبهماً، وهو في النصّ كالآتي: «إنّ الضرر الذي يوفّر الصفة للمداعاة هو الضرر الشخصي والمباشر، أي أن يكون المتضرر هو مَن أصابه الضرر مباشرة وشخصيّاً. وحيث إنّ المدّعي (عواضة) قد بيّن الضرر الناشئ عن التغريدات التي قام بنشرها المدّعى عليه (السبهان) على موقع تويتر، فأشار إلى أنّها عكّرت الجو العام في لبنان، وأوجدت الرهبة والخوف في قلوب اللبنانيين وأدّت لاحقاً إلى توقيف رئيس الحكومة اللبنانيّة في السعوديّة. وحيث إنّ الضرر الذي أوضحه المدّعي بذاته، وكما وصفه، هو ضرر عام يُصيب، في جزء منه، المجتمع اللبناني ككل، وهو بهذا المعنى ليس ضرراً واقعاً على مواطن بعينه مِن مواطني هذا المجتمع أو على مجموعة مُحدّدة منه، وفي جزئه الآخر يطاول رئيس مجلس الوزراء اللبناني الذي قصده المدّعى عليه بتغريداته». هذا النص، وهو مألوف في القانون، وفّر للمحامي بزّي مادة ضمّنها طعنه أمام محكمة التمييز، أي السؤال عن الفرق بين الضرر الشخصي والمباشر والضرر العام وغير المباشر (خاصّة في حال عواضة).


لم تتوقّف الهيئة الاتهاميّة عند اعتبار القضيّة مِن «مصلحة الدولة العليا»

مثلاً، عواضة، وهو أسير محرّر مِن السجون الإسرائيليّة، شعر إثر تهديدات السبهان للبنان، وتحديداً للمقاومة في لبنان، بأنّ العدو سيشن عدواناً جديداً إثر فتنة داخليّة، وأن الحرب ستعود، وأنّه قد يعود إلى المعتقل. هذا خلق له قلقاً نفسيّاً، إذ لا تزال السنوات العشر مِن الأسر تعيش في ذاكرته، فضلاً عن الشعور بأنّ هناك مَن يُهينه مِن خلال إهانة دولته، كلّ هذا «ألا يُعدّ ضرراً مباشراً وشخصيّاً»؟ هذا ما يسأله عواضة في حديثه مع «الأخبار». هذا ما سيُضمّن طلب النقض أمام محكمة التمييز. سيكون على المحكمة الأخيرة أن تجيب عن سؤال الضرر ذاك.
بالمناسبة، هناك أكثر مِن شكوى تقدّم بها المحامي بزّي، سابقاً، في قضايا عامة، لا تتعلّق بضرره الشخصي، ومع ذلك قُبِلَت مِن قضاة التحقيق، بل صدرت فيها قرارات ظنيّة (مثل شكواه ضدّ إعلاميّة حرّضت على قتل الأمين العام لحزب الله). كذلك قُبِلَت شكواه ضد صحيفة عربيّة لأنّها «أساءت للعلم اللبناني». كيف كانت تُقبَل تلك الدعاوى، وكانت صفة المحامي الشخصيّة مقبولة، وإن كان الموضوع عاماً، بينما عندما وصلت المسألة إلى السبهان أصبح يُعتبر مِن «مصلحة الدولة العليا» ولاحقاً (بعد إسقاط هذه البدعة) عُدّت أفعاله «لا تُسبّب الضرر الشخصي»؟ مسألة أخرى، هناك فقرة في قرار الهيئة الاتهاميّة، المطعون فيه، تُحيل على جدل يُمكن أن ينتهي إلى نتيجة مفادها أنّ «النيابة العامة» (الحامية للحق العام في لبنان) لم تتحرّك في أمر كان يفترض بها أن تتحرّك حياله (لبعض القانونيين رأي في هذا). يرد في القرار: «بالنسبة إلى الضرر الأوّل الذي يصيب المجتمع، فإنّ المرجع المناط به الدفاع عن مصالح هذا المجتمع وصون كرامته وأمنه، هو الدولة اللبنانيّة، عبر أجهزتها المختصّة، ولا سيّما النيابة العامة التي يعود لها وحدها حق تحريك دعوى الحق العام بخصوص الجرائم التي تطاول المجتمع». جيّد، إن لم تتحرّك هذه النيابة، ولم تتحرّك أي جهة مسؤولة في مختلف السلطات، فما العمل عندها؟ أساساً، لو كان تصدّى مَن يجب عليه أن يتصدّى لحماية المجتمع، وصون حقوقه، فهل كان عواضة سيُبادر إلى ذلك بنفسه؟ مَن يحلّ هذه المعضلة!
عموماً، السبهان غير معتاد هذه الأشياء التي تحصل ويقرأ عنها في القضاء اللبناني. غير معتاد لمواطن، في أسوأ الأحوال، يُمكنه أن يذهب إلى القضاء ويدّعي عليه، فينتقل مِن محكمة إلى أخرى، وكلّ هذا في إطار القانون. هذه مشهديّة قاسية، بصرف النظر عن نتائجها القانونيّة، على السبهان وصحبه. لكنّ هذا يحدث... والقضيّة مستمرّة.