لا مساحات عامة في بيروت، ولا في ضواحيها. صار الأمر معروفاً. يخترع الناس «مساحاتهم» هرباً من الازدحام. آخر هذه المساحات كانت في القرية الواقعة بين بدادون ووادي شحرور، على طريق القماطية. مساحة خضراء، على المدخل الجنوبي لقرية حومال، تطلّ على منطقة حرجية واسعة. اكتشفها سكان المناطق القريبة، الذين ضاقت بهم الضواحي، فراحوا يجلسون هناك، بلا صخب.


لكن المساحة باتت ممنوعة على قاصديها، بقرار تشير إليه لافتات المنع التي وضعتها البلدية في المكان، بين عشب ينمو «على راحته»، ويشكل دليلاً واضحاً على عدم الاعتناء به بشكل دوريَ.
المساحة، في الأساس، كانت «مهجورة». بلغة «الحق العام»، يمكن أن نقول «مساحة عامة». يبعد هذا «المرتفع»، في حومال، عن بيروت نحو ربع ساعة. وقاصدوها، الذين لم يملكوا خيار الاعتراض على «القرار البلدي»، غاضبون من حرمانهم من مساحتهم. لكن البلدية تعلل رفضها، بما تقوله البلديات عادةً: «زوّار المكان يتركون بقايا طعامهم ونفاياتهم فيه ممّا يشوّه مدخل البلدة». وعن سبب عدم قيام البلدية مثلاً بتعيين موظّف توكل إليه مهمّة الحفاظ على حسن استخدام المكان ونظافته، يقول أحد المصادر فيها إنه لا إمكانية لذلك: «ما في عنّا غير ثلاثة موظفّين وشرطييَن مسؤولين عن المنطقة».
لا نيّة لدى البلدية بالعودة عن قرارها قريباً، «مستحيل الرئيس يقبل حدا بس يوقف بالمكان»، يقول أحد سكَان البلدة الّذين يحمّلون زوّارها «المهملين» مسؤولية المنع. للزوار رأي آخر، ولكن يبدو أن لا أحد مستعدٌّ لسماعه. كل ما يطالبون به هو مجرد «مساحة عامة». في المقابل، يصر أهل البلدة، على أن الأمر يتجاوز النظافة العامة، ويصل إلى خطر إشعال حرائق قد تهدّد الأحراج المجاورة، خاصّةً أنّ البلدة شهدت العام الماضي حريقاً كبيراً كاد يلامس المنازل. بحسب البلدية، المنع يطال الجميع: «سكّان حومال والوافدين إليها».
المنطقة التي كانت تعجّ بالزائرين في أيام العطل تحديداً باتت خالية. مجرد طريق للعبور. ينسحب ذلك على شوارعها ومحالها ومطاعمها المتواضعة. أحد الزوار «السابقين»، يقول إنه كان يمكن للبلدية أن «تستعيض عن لافتات المنع بلافتات تحدّد شروط الاستخدام السليم للمكان»، تفادياً لحرمان الناس من متَنفّسٍ آخر، في بلدٍ تتقلّص فيه المساحات العامّة الخضراء، لصالح أخرى خاصّة مقفلة في وجه العامّة. ولكن، البلدية، لا نية لها بالتراجع: التنزه ممنوع!