أطلق المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، في قاعة قصر الأونيسكو أمس، دراسته الإحصائيّة تحت عنوان «الأوضاع المعيشية للأسر في لبنان 2015». تعرض الدراسة نتائج مسح الأوضاع المعيشية للأسر اللبنانيّة المقيمة، والذي نفّذه المركز بين عامي 2014 و2015. أبرز ما توصّلت له الدراسة هو «التأكيد على الفوارق الموجودة بين بقايا الريف اللبناني والمنطقة المركزيّة، وظهور مؤشّرات على ترييف المدينة واتساع الفوارق الطبقيّة داخلها»، أمّا الأهم فهو تحوّل النمو المسجّل إلى «عامل في زيادة حدّة التباين الطبقي والمناطقي، وارتفاع متوسط الدخل، لكن مع انحياز أكبر نحو الشرائح الدخليّة العليا».


وتقدّم الدراسة «تقديرات حديثة ومنقّحة لمؤشرات الفقر النقدي والحرمان البشري وعدم الإنصاف، فضلاً عن متغيرات مرتبطة بمعيشة المجتمع اللبناني»، وفق رئيس المركز الاستشاري عبد الحليم فضل الله، بهدف إزاحة «الغموض ونقص المعرفة المقصود وغير المقصود الذي يغذّي المأزق المعيشي، كون آخر الأعمال الإحصائيّة المعلنة والموثوقة مضى عليها أكثر من عقد».

تنامي الفقر واللامساواة

أبرز النتائج التي توصّلت اليها الدراسة «تكمن في الوصول إلى تقديرات أعلى في بعض المؤشرات مقارنة مع دراسات أخرى، إذ بلغ معدلا الفقرين النقدي والبشري نحو 33.6% بفارق 5 نقاط عن الفقر المطلق المقدّر بنحو 28.5%، وبفارق سبع نقاط للفقر الأدنى أي 15.2% مقابل 8%، وسبع نقاط في دليل الأسر ذات الإشباع المتدني».


رعد: بعد عامين
على تشكيل
الحكومة لم تخرج إلا بسياسات عقيمة



يعيد فضل الله الأسباب إلى كون «إشباع الحاجات الثانويّة يتعاظم على حساب إشباع الحاجات الرئيسيّة، فيما السياسات المالية والنقدية تصمّم بنحو لا تحفّز الانتاج والانتاجية، وترفع تكاليف الانتاج في حالة التوسع وتخفض الطلب في حالة الانكماش، ما تسبّب في ارتفاع خط الفقر النقدي إلى أكثر من ضعفي الحد الأدنى للأجور، وفي تدهور المكانة التنافسية للاقتصاد الوطني تجاه الاقتصادات الأخرى ولا سيما في قطاعات الخدمات والإنتاج السلعي. فأوجد هذا الأثر المزدوج حلقة تقود إلى إطالة أمد الركود وزيادة حدة اللامساوة».

تفاوت المداخيل والفجوة التنموية

تبيّن الدراسة أيضاً أن «توزيع مداخيل العاملين بأجر هو أقل تفاوتاً من توزيع المداخيل الأخرى (يبلغ مؤشر جيني للرواتب 0.32 مقابل 0.43 لمؤشر جيني لمجموع المداخيل)، فيما متوسط دخل العاملين بأجر منخفض على نحو ملموس مقارنة بالمتوسط العام. في حين يسجّل القطاع الخاص متوسط دخل أقل من مثيله في القطاع العام، حتى قبل إقرار سلسلة الرتب والرواتب»، وهو ما يعدّه فضل الله دليلاً على «ضعف إنتاجية القطاع الخاص وارتباط أجور القطاع العام بعوامل إدارية وسياسية أكثر من ارتباطه بالأداء والفعالية».
وتكشف المقارنة بين المنطقة المركزيّة ومناطق الأطراف أن «التقلّص النسبي للفجوات التنموية ترافق مع زيادة الهوة بين مداخيلها، بحيث يساوي متوسط الدخل في العاصمة ضعف مثيله في الأقضية الطرفية، ما يدل على ضعف المفاعيل التنموية للإنفاق الحكومي بما في ذلك إنفاقها الاستثماري».
يعيد فضل الله ذلك إلى «تعثر القطاع العام وتباطؤ التوظيفات وتراجع الإنفاق الاستثماري العام من حوالي نصف مجموع واردات الخزينة في نهاية الثمانينيات إلى أقل من 8% منها في السنوات الأخيرة، (أقل من ربع خدمة الدين العام)، في حين بقي ما يصنّف إنفاقاً اجتماعياً يشكّل نسبة معتداً بها من أرقام الموازنة لكن بجدوى متناقصة وفعالية ضعيفة، ما نتج عنه اتساع الفجوات الطبقية واكتساب الفقر طابعاً مدينياً وريفياً في آن، فضلاً عن انتشار الوظائف ذات الإنتاجية المنخفضة على حساب فرص العمل المجزية».
ويتابع فضل الله «أمّا التدفقات الخارجيّة التي قاربت مئة مليار دولار خلال عقد ونصف عقد، وغذّت خزائن المصارف بما يضاهي الدخل الوطني، فلم تتنتج أي تحسّن، بدليل عدم الكفاية لتمويل الحدّ الأدنى من الحاجات الاستثمارية المادية والبشرية والاجتماعية إلا عبر الاستدانة».

البداية من الموازنة

تبيّن الدارسة أيضاً مفارقات وتناقضات بارزة. مقابل تضخم اعتمادات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم في الموازنات العامة، يتبيّن أن «أغلبية الأسر تلجأ إلى مصادر ثانية لتأمين حاجاتها من هذه الخدمات العامة، فنصف الأسر تعتمد على اشتراك المولدات الكهربائيّة، و41% منها فقط تعتمد على شبكة المياه العامة، فيما نصف الأسر تحظى بتغطية صحية، وتستقطب المدارس الرسمية 41% من إجمالي الطلاب».
هذه المؤشّرات وغيرها استند إليها رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد في مداخلته مشيراً إلى «ضرورة النظر في هذه النتائج عند دراسة الموازنة لعدم الإطاحة بحقوق المواطنين وإرهاق ذوي الدخل المحدود بحجة تقليص العجز». وقال رعد إن «السياسات تقاس بقدرتها على تحقيق الاهداف السياسيّة، فبعد عامين على تشكيل الحكومة لم تخرج إلا بسياسات عقيمة إنسل منها قانون انتخابي سينتج تغييرات وحكومة جديدة، مطلوب أن تتوفّر لديها الإرادة لمكافحة النظام الريعي وتوسيع القروض الإنتاجية وزيادة حصة الأجور وتطوير شبكات الامان وإصلاح النظام الضريبي ليصبح أكثر إنصافاً».
(الأخبار)