زيارة المصالحة التي قام بها الموفد السعودي نزار العلولا إلى لبنان، كرّست قاعدتين: إعادة فتح أبواب السعودية في وجه الرئيس سعد الحريري وإن بآليات جديدة، والتأكيد أن أبواب لبنان، بالنسبة إلى المملكة، تمر أولاً من «منزلها» في معراب. المواءمة بين هاتين القاعدتين تعني أمراً واحداً، هو إعادة ترميم التحالف السياسي بين المستقبل والقوات، والمبني، حسب سمير جعجع، على التمسك «بالتفاهم على الحد الأدنى من مسلّمات وثوابت 14 آذار». ذلك سيفرض حداً أدنى أيضاً من المواجهة مع حزب الله وحلفائه، بمن فيهم التيار الوطني الحر، شريك الحريري في الحكم.


يصعب تخيّل مواجهة كهذه في الوقت الحالي، خاصة أن الاتفاق الرئاسي «تعمّد» بإنقاذ رئيس الجمهورية، مدعوماً من فريق 8 آذار، الحريري من الاحتجاز السعودي، علماً بأن هذا الاتفاق هو وحده الذي يضمن بقاء الحريري في رئاسة الحكومة.
لا مواجهة إذاً مع عون. ذلك أمر لا يحتمله الحريري في الوقت الراهن. وهو على الأرجح سيستمر في تسويق فوائد تحالفه مع حليف «حزب الله» سعودياً، باعتباره الطريقة الوحيدة القادرة على إبعاد الحليفين الاستراتيجيين أحدهما عن الآخر. لديه من الشواهد الكثير، أبرزها الموقف المتناغم عونياً وحريرياً في ملف الحدود الجنوبية، إضافة إلى المواقف التي أطلقها جبران باسيل مؤخراً وينتقد فيها «حزب الله».
مع ذلك، يتردد أن الجانب السعودي لا يزال متحفّظاً على ترميم العلاقة مع عون لأسباب تتعلق بعدم الثقة بنجاح عملية إبعاده عن «حزب الله». وبالتالي، فإن القوات يبقى بالنسبة إليه حليفاً استراتيجياً في لبنان.


تحالف المستقبل مع التيار أو القوات محكوم برفضه «وهب» أيّ
مقعد مجاناً


وعليه، ماذا يمكن أن يطلب السعوديون من الحريري أقل من إعادة اللحمة إلى العلاقة بينه وبين القوات؟ وكيف يمكن أن يترجم التحالف السياسي على أبواب الانتخابات، إذا لم يترجم بتحالف انتخابي أيضاً؟
لكن، هل فعلاً من مصلحة المستقبل والقوات أن يتحالفا؟ يقول مصدر متابع للعلاقة بين الطرفين أنهما في اللقاءات التي جمعتهما ولا تزال، لم يتناولا التحالف السياسي، بل تركز النقاش على بحث المصلحة من التحالف الانتخابي... بلغة الأرقام، علماً بأن الإشكالية نفسها تواجه التحالف بين المستقبل والتيار الوطني الحر، في ظل قرار مستقبلي بعدم التخلي عن أي مقعد مسيحي يمكن أن يكون من نصيبه. وهذا القرار هو الذي أخّر التحالف مع أيّ من الطرفين؛ فالحريري بحاجة إلى مقعد مسيحي في جزين وفي البقاع الغربي لتعويض احتمال خسارته مقعداً سنيّاً في كلّ منهما، كما يطمح إلى التمثل مسيحياً في زحلة وطرابلس والشوف وبيروت... معتمداً على قدراته الذاتية.
«الأخبار» تواصلت مع ثلاث شركات إحصاء لتبيان ما يمكن أن تكون نتيجة التحالف المستقبلي القواتي في لبنان، فكانت توقعات اثنتين منها أن التغيير في النتائج لن يكون كبيراً، وهو لا يتعدى احتمال زيادة الكتلة القواتية نائبين على الأكثر. إلا أن معركتها على بعض المقاعد ستكون أسهل، كما هي الحال في البقاع الشمالي وبعبدا، إذ إن أصوات القواتيين في الدائرتين تقلّ عن الحاصل الانتخابي بقليل، وبالتالي فإن أيّ تحالف يمكن أن يرفع احتمال أن يمرّ مرشحاها. لكن في بعلبك الهرمل، يخشى الطرفان أن يغرف كلّ منهما من صحن الآخر، فيفضّلان بالتالي التحالف مع شخصيات شيعية مستقلة تملك حضوراً في المنطقة وقادرة على تأمين الحاصل المطلوب.
في عاليه والشوف لا يريح التحالف الطرفين. لائحتهما يمكن أن تحصل على ثلاثة مقاعد (المستقبل يملك حاصلاً ونصف والقوات يملك 1.3)، علماً بأن ترشحهما مستقلين يبقي احتمال أن يحصل كلّ منهما على مقعدين وارداً، وإن مع ترجيح حصول المستقبل على مقعدين مقابل مقعد للقوات. أضف إلى أن ترشحهما معاً سيقضي على حظوظ غطاس خوري بالفوز، لأن جورج عدوان سيحصل على أصوات تفضيلية أكثر منه.
في زحلة، يرجّح أن تفوز القوات بمقعد واحد بالتحالف مع المستقبل أو من دونه؛ فبالتحالف مع شخصيات مستقلة كسيزار المعلوف يمكنها أن تؤمن الحاصل وربما اثنين، بينما المستقبل يمكنه أن يحصل على مقعدين سنّي ومسيحي بقوته الذاتية.
تتباين وجهات النظر في ما يتعلق بعكار. 5000 صوت قواتي لا يمكنها أن تأتي بنائب، فيما يفضّل المستقبل أن يتحالف مع التيار الوطني الحر صاحب الحضور المسيحي الأقوى في المنطقة، علّه يتمكن، مدعوماً من أصوات النائب السابق لرئيس مجلس الوزراء عصام فارس، من الحصول على 6 مقاعد من سبعة.
في المتن وكسروان ــ جبيل لا تأثير للمستقبل، وحتى إذا طلب من منصور البون الدخول في لائحة القوات فإن الأخير لن يقبل، لأن ذلك سيعني فوز مرشح القوات على حسابه.
في بيروت الأولى، يفترض أن يحصل القوات على مقعد واحد، بصرف النظر عن تحالفه مع المستقبل.
وحتى في دائرة الشمال الثالثة (البترون – زغرتا – الكورة – بشري) يمتلك التحالف هناك بعداً سياسياً صافياً. وهو يمكن أن يكون التعبير الأصدق عن قرار سعودي بابتعاد الحريري عن عون. عندها سيفوز جبران باسيل وحيداً، فيما يمكن أن ترتفع حصة لائحة القوات مقعداً واحداً (من ثلاثة إلى أربعة نواب)، بفضل تجيير الأصوات السنيّة من العونيين إلى القوات.
اثنتان من الشركات الثلاث تعتبران أن كتلة القوات ستتراوح بين 8 و12 نائباً. لكن يبدو لافتاً أن ترجيح هذا الاحتمال أو ذاك لا يرتبط تحديداً بالتحالف مع المستقبل، بل بكيفية إدارة المعركة الانتخابية ومعركة التحالفات بشكل عام. أما الثالثة، فترى أن التأثير الفعلي لتحالف كهذا لن يكون بزيادة حصة القوات فحسب، بل بالضرر الذي سيصيب التيار الوطني الحر في أكثر من دائرة من جرّاء تحويل الأصوات المستقبلية من لوائحه إلى لوائح القوات.
ومقابل سعي العونيين والقوات إلى تعزيز كتلة كل منهما بالاعتماد على الحريري، يبقى الأخير محتفظاً بالورقة التي تحرره من كل الأثقال الانتخابية والسياسية، أي النزول وحيداً إلى الميدان الانتخابي ورسم تحالفات على القطعة. ذلك يفتح أمامه باب تأليف كتلة مستقبلية صافية قد يتجاوز عدد أعضائها عشرين نائباً.