في 21/11/2017، تقدّمت «لجنة التولية على الوقف الذرّي العائد لبيت داغر أبي نجم صفير»، لدى المحكمة الابتدائية المدنية في جبل لبنان الناظرة في القضايا العقارية، باستحضار ضدّ البطريركية المارونية، تطلب فيه إبطال قيود عقارية مُدونة على 21 عقاراً، تُفيد بأن هذه العقارات هي وقف خيري للبطريركية.


الجهة المُدعّية تؤكّد أنّ هذه العقارات كانت وقفاً ذريّاً لعائلة داغر أبي نجم صفير، إلّا أن البطريركية «استصدرت، بطرق غير واضحة وغير سليمة، قراراً وهمياً مزعوماً من إحدى المحاكم الروحية، قرّرت بموجبه من دون حقّ ولا مُبرّر تحوير القيود العقارية، فقُلبت العقارات بشحطة قلم من وقف ذري الى وقف خيري». ويتيح نقل العقارات من الوقف الذري إلى الوقف الخيري للبطريركية التصرّف بها، سواء بتأجيرها أو استثمارها، بوصفها الولي الأعلى على الأوقاف الخيرية لدى الطائفة المارونية في لبنان.
بحسب المحامي الخبير في قانون الأوقاف جورج أصاف، ينقسم الوقف إلى نوعين، خيري وذرّي. الأول هو الذي وُقف بالأساس على الكنائس والمساجد ودور العبادة ويتخذ صفة «العمومية» ويصب في خانة «النفع العام»، فيما الوقف الذرّي هو وقف العائلات وبعض الأفراد لممتلكاتهم خدمةً للفقراء من ذريّة العائلة، على أن يكون شرطّ «البرّ» (الصدقة والخدمة الاجتماعية) موجوداً وإلا لما استقام الوقف. وتاريخياً، انتشر الوقف الذرّي للأراضي والممتلكات خلال القرن السادس عشر. ويوضح أصاف أن الوقف آنذاك كان وسيلة للتهرّب من الضرائب التي كان يفرضها العثمانيون على أصحاب الأراضي، كما كان وسيلة لحرمان النساء من الإرث. والحديث هنا، يدور حول أراض شاسعة كانت الكثير من العائلات «تتملّكها» بوضع اليد.
وقانوناً، لا تملك البطريركية المارونية صفة الوليّ على الأوقاف الذرّية. إذ أخضع قانون الأوقاف الذرية الصادر عام 1947 هذه الأوقاف للمحكمة المدنية المختصّة (أي محكمة المكان حيث تقع الأملاك الوقفية) إلّا إذا اشترط الواقف ذلك في صكّ الملكية.
مساحات شاسعة!
تُقدّر المساحة الإجمالية للعقارات موضع النزاع بنحو مليون متر مربّع، وهي عبارة عن 13 عقاراً في منطقة فيطرون العقارية (632، 629، 627، 625، 624، 622، 619، 617، 613، 611، 600، 599، 587)، و6 عقارات من منطقة كفرذبيان العقارية (6237،6231، 6234، 6229، 2902، 2902، 2268)، وعقارين من منطقة القليعات العقارية.
بحسب رئيس اللجنة غسّان صفير، هذه العقارات كانت جزءاً من مساحة شاسعة من الأراضي التي كانت مُلكاً لداغر أبي نجم صفير الذي وقف أراضيه عام 1700 الى فقراء ذريّته. خلال خمسينيات القرن الماضي، شهدت هذه المناطق عمليات مسح عقارية، وعام 1959 أصدر القاضي العقاري في جبل لبنان قراراً بالتصديق على محاضر التحديد والتحرير التي أُحيلت الى أمانة السجلّ العقاري، وعليه نُظمت الصحائف العينية التي أفادت بأنّ هذه العقارات هي «وقف ذري لبيت داغر أبي نجم صفير». وتُظهر في هذا الصدد اللجنة نحو 21 صكّاً عقارياً يُفيد بذلك.
وخلافاً لصلاحيتها التي تنحصر بقضايا الزواج والنفقة والهجر (الأحوال الشخصية) فضلاً عن قضايا الوقف الخيري (...)، أصدرت المحكمة المارونية الروحية الموحدة بتاريخ 20/7/2017، قراراً عدّلت بموجبه القيود العقارية المتعلقة بالعقارات المذكورة أعلاه وحوّلتها الى وقف خيري (رقم الدعوى 374/2017). وذلك، بناءً على عريضة من البطريركية المارونية مؤرخة في 19/7/2017. ما يعني أنّ القاضي في المحكمة الروحية المونسينيور نبيه معوّض اتّخذ قراره بعد نحو 24 ساعة فقط من إحالة العريضة اليه. وعليه، قرّرت دائرة التنفيذ في كسروان بتاريخ 29/8/2017، تنفيذ حكم المحكمة الروحية، وأُرسلت المُذكّرة الإجرائية إلى أمانة السجّل العقاري بتاريخ 31/8/2017.
ويقتضي الوقف «تأبيد الأراضي» ويمنع التصرّف بها بمعنى البيع، لكنه يُجيز استثمار الوقف عبر توزيع ريعه على الجهات التي وُقف لمصلحتها. ويؤكّد المدّعون أن البطريركية عمدت الى تغيير القيود العقارية بعدما علمت بلجوء لجنة التولية الى سحب الصكوك العقارية تمهيداً لاستلام إدارة الوقف، ويلفتون الى أن البطريركية تستثمر بنفسها هذه الأوقاف رغم أنه لا يحقّ لها أن تستثمر في الوقف الذرّي. ويبرزون عقود إيجار واستثمار لعدد من العقارات نظّمتها البطريركية لصالحها.


يتيح نقل العقارات من الوقف الذري إلى الوقف الخيري للبطريركية التصرّف بها


«الأخبار» حاولت على مدى أربعة أيام التواصل مع المعنيين في البطريركية للوقوف على رأيها، إلّا أن هؤلاء تجنّبوا الرد. وأجابت أمانة السرّ بأن المعنيين غير مهتمين بالتعليق.
وبحسب قانونيين وقضاة تواصلت معهم «الأخبار»، فإنّ قرار المحكمة الروحية غير قانوني لأن القضاء المدني هو الجهة الوحيدة المُخوّلة البت في هذه القضية، فيما يُبدي عدد من أبناء آل صفير استياءهم من لجوء البطريركية الى المحكمة الروحية لبت النزاع، إذ «لا يمكن أن يكون المرء طرفاً وقاضياً في الوقت نفسه»، وفق ما يرد في أسباب إبطال القرار في نص دعوى استئناف حكم المحكمة الروحية التي قدمها صفير أمام محكمة الاستئناف الروحية بتاريخ 18/12/2017.
وتُفيد المعطيات بأن النزاع القائم بين آل صفير والبطريركية حول الأوقاف سبقته نزاعات مماثلة خاضتها عائلات أُخرى مع البطريركية انطلاقاً من خلفية الأخيرة «التي لا تزال تعتبر نفسها الولي على الأوقاف»، على حدّ تعبير مصادر مُطلّعة على الملف، لافتةً إلى أن البطريركية «كأي سلطة، تسعى الى استعادة امتيازاتها التي كانت ممنوحة لها».




اضطراب الاجتهاد

إقرار قانون الأوقاف الذرية المدني الصادر عام 1947 لإصلاح الوقف ومنع تأبيده انطلق من خلفية اقتصادية «إصلاحية»، وجاء نتيجة الخلاف مع السلطة الدينية الذي بدأ يتعمّق عند بدايات عام 1905. حينها، كان المُستفيدون من الأوقاف يطالبون بالتحرّر من السلطة الدينية، منطلقين من ذريعة أن «الأولياء ينهبون الأوقاف»، بحسب ما يرد في نصوص تناولت مسألة الأوقاف.
ويشير المحامي الخبير في قانون الأوقاف جورج أصاف إلى أن التأثير السلبي للأوقاف الذرّية على الاقتصاد كان الدافع لإقرار قانون الأوقاف عام 1947 الذي منع الاستفادة من الوقف الذرّي على أكثر من طبقتين (جيلين)، كما قضى بتصفية الوقف في حال الخراب وضآلة الريع. وأوضح أن القانون قضى بتطبيقه على الاوقاف التي ستُنشأ بعد تاريخ صدوره، أي بعد عام 1947 (ما يعني أن الأوقاف الذرّية التي أُنشئت قبل هذا التاريخ تبقى بإسم ذرّية الواقف)، «لكن القانون نفسه أقرّ بأنه ينطبق على كل الأوقاف في لبنان، ما خلق إشكاليات عديدة وحالاً من الإرباك نتج عنها تناقض في اجتهاد المحاكم في النزاعات حول الأوقاف». ولفت الى أن الأوقاف الذرّية تخضع للضرائب فيما تُعفى منها الأوقاف الخيرية. وفي رأي اصاف، فإن إنشاء شركة عقارية يُعدّ مخرجاً للأوقاف الذرّية، حيث يتم توزيع حصص المُستحقين من الوقف عبر أسهم في الشركة التي تستثمر الوقف.




الوقف vs الإرث

يوضح المحامي الخبير في قانون الأوقاف جورج أصاف الفرق بين الوقف والإرث. «المُستحقّ من الوقف يستمدّ حقه مُباشرة من الواقف، أي من صك الوقف وليس من الأصل سواء الأب أو الجد». بهذا المعنى، يختلف الوقف عن مفهوم الوراثة الذي يستوجب الاستفادة من المُلك من حقوق الأصل. بطبيعة الحال يستطيع الورثة التصرف بالممتلكات التي يرثونها من أراضٍ أو مبان لناحية البيع والإيجار والاستثمار، فيما لا يستطيع المُستحقون التصرّف بالوقف إلا في استثماره.





«الوقف» يضرّ بالاقتصاد

بحُكم تأبيد الأراضي ومنع بيعها، ثمّة مساحات شاسعة من أراضي الوقف لا يتم الاستفادة منها لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد وإعادة توزيع الثروات عبر استثمارها في مشاريع زراعية أو مشاريع ذات طابع اجتماعي. وترى أستاذة التخطيط المدني في الجامعة الأميركية في بيروت منى فواز أن أراضي الوقف تشكّل «فرصة مهمة جداً» أمام الدولة للإفادة مما يُسمى «مخزون أراض منزوعة عنها قيمتها التجارية». هذا المفهوم ينظر الى الأراضي بوصفها ذات قيمة اجتماعية يمكن استثمارها لمساعدة ذوي الدخل المحدود أو القيام بمشاريع اجتماعية وثقافية. وتلفت فواز الى أن هذا المفهوم تم إدخاله في الكثير من البلدان الاوروبية بدلاً من إتاحة الفرصة أمام الشركات العقارية والمضاربين لاستغلال هذه الأراضي.