في موقف السيارات المواجه لقصر العدل في بعلبك، يرمي أحمد الحاج حسن بثقل جسمه على حافة صغيرة. يتفحّص السبعيني، إبن بلدة الشواغير في قضاء الهرمل التي تبعد نحو 70 كيلومتراً، أوراق الملف الذي يحمله. «حتى تصديق إخراج قيد ما في بالمحافظة.


بدك تروح على زحلة لتصدّقه»! يقصد بعلبك منذ ايام لانجاز معاملة، «وبين روح وتعا من آخر الدني عبعلبك وزحلة صرنا حاطّين قد المصريات اللي بدنا نقبضهم»، يقول قبل أن يغادر وهو يتمتم بعبارات غير مفهومة. كثر غيره يتمتمون بعبارات مماثلة بعد ان يدركوا ان المحافظة التي استحدثت قبل 15 عاماً لا تزال «قاصرة»، وخاضعة لوصاية محافظة البقاع ومركزها زحلة.
عام 2014، عُيّن بشير خضر محافظاً لمحافظة على الورق. مذذاك، استحدثت في بعلبك ــــ الهرمل دوائر العقارية والتربية والصحة وتعاونية موظفي الدولة. لكن، بعد عقد ونصف من إقرارها، لا تزال المحافظة تفتقد لكثير من الإدارات الرسمية كمصلحة تسجيل السيارات، وقيادة منطقة لقوى الأمن الداخلي، ودائرة أحوال شخصية، وقصر عدل يليق بمواطني المنطقة ومحاميها وقضاتها، وسجن بمواصفات مقبولة. إذ أن السجن الواقع أسفل السراي القديم ممنوع من التهوئة ونور الشمس. وعلمت «الأخبار» ان اقتراحاً يقضي بنقله الى ثكنة الشيخ عبدالله في عين بورضاي، أو سيار الدرك عند مدخل مدينة بعلبك الجنوبي، بات على جدول اعمال مجلس الوزراء.


لا يزال كثير من
الدوائر الرسمية في بعلبك ــ الهرمل يخضع لـ«وصاية» زحلة

مختار بلدة الجمالية حسين جمال الدين يشرح لـ«الأخبار» معاناة ابناء المحافظة لناحية عدم تصديق اخراجات القيد الا في زحلة: «على إبن الهرمل والقاع ورأس بعلبك والقصر ان يسابق الزمن طيلة يوم بكامله من اجل ختم وتوقيع بسيط غير موجودين في المحافظة ومركزها». ويلفت الى عدم وجود رئيس دائرة اصيل لدائرة نفوس بعلبك، والى نقص في الموظفين في الدائرة التي تعرضت لـ«كارثة» مع مشروع اعادة تكوين سجلات النفوس منتصف عام 2015. إذ وقعت أخطاء فادحة أثناء النسخ، «وبعدما تنصلت مديرية الاحوال الشخصية من المسؤولية بات على المواطن ان يركض ليصحّح الخطأ بين القضاء المدني والمديرية في بيروت والدائرة في بعلبك».
يعزو المحافظ خضر التأخير في استحداث بقية الادارات الى مجلس الوزراء، إذ أن تعيين كل رئيس دائرة أو مصلحة «يخضع للتجاذبات السياسية والطائفية وعوائق أخرى». وأكّد أنه نقل الى كل من رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق حاجة المحافظة الى دائرة احوال شخصية مركزية، مفصولة عن زحلة، مشيراً الى أنه تلقّى وعوداً بأن الفصل سيتم بعد الإنتخابات النيابية في ايار، «قبل الصيف وبعد الإنتهاء من بعض العوائق اللوجستية». خضر نقل أيضاً تأكيدات رئيس الحكومة باستحداث قيادة اقليمية لقوى الأمن الداخلي في المحافظة التي تشهد حوادث أمنية يومية، وتعاني نقصاً في عديد قوى الأمن، الأمر الذي يستدعي طلب المؤازرة من زحلة، حيث مركز قيادة قوى الأمن الداخلي لمحافظتي البقاع وبعلبك ــــ الهرمل. لكنه لفت الى أن الأمر «يحتاج الى مراسيم وقرارات... وينبغي على القوى السياسية في المحافظة السعي للإسراع في ذلك».
المديرية العامة للاشغال والسجل التجاري ومراكز المعاينة الميكانيكية ومصلحة تسجيل السيارات وأمانة سر المحافظة ورئاسة دائرة البلديات ورؤساء الاقسام فيها، كلها لا تزال غائبة، لكنها «محل متابعة»، وفق المحافظ الذي أشار الى أن بلدية بعلبك قدمت في محلة بين التل الأبيض والكيال قطعة ارض لانشاء مركز معاينة «لكن حتى اليوم لم يتخذ القرار في شأنه بعد».




«مالية» بعلبك: ثلاثة موظفين لمئات المعاملات

منذ اكثر من عقد ونصف عقد، يطالب محامو بعلبك ــــ الهرمل، من دون جدوى، بفتح صندوق مالية خاص بقصر عدل بعلبك يخفف عن المحامين والمواطنين أعباء انجاز معاملاتهم. استحداث محافظة بعلبك ــــ الهرمل (التي لا تزال تفتقد لعدد من الإدارات الحكومية وتنتظر فصلها كلياً عن محافظة البقاع) لم يحلّ المشكلة.
وزاد الطين بلة، أخيراً، استحداث محكمة سير في المدينة، مما صبّ كمّاً هائلاً من مخالفات السير اليومية التي ينبغي البت بها بين قصر العدل ومحتسبية بعلبك، تضاف الى المعاملات الأخرى، من دون ان يترافق ذلك مع فتح صندوق مالية في قصر العدل، أو على الأقل زيادة عدد موظفي المحتسبية الثلاثة.
وتُنجز في محتسبية مالية بعلبك سائر المعاملات الادارية التابعة لقصر العدل (جزائية واستئناف وبداية) ومعاملات بقية الدوائر الرسمية ودوائر العمل والتربية والعقارية والمحاكم الشرعية على اختلافها. وهو ما يؤدي الى طوابير من الانتظار يومياً بين قصر العدل ومقر المحافظة «المزروك» مبنى مدرسي متداعٍ.
«رفع عبء الانتظار في طوابير طويلة، عن المواطنين والمحامين، وتسهيل أمورهم، لا يتطلبان أكثر من شخطة قلم باستحداث صندوق مالية لقصر عدل بعلبك»، بحسب أحد المحامين من أبناء المدينة. ويلفت المحامي دريد ياغي إلى أن إنشاء مبنى لقصر العدل يليق ببعلبك التاريخية «مطروح منذ اكثر من 15 عاماً. لكننا لم نتمكن حتى من الحصول على صندوق مالي يخفف من الارباك والضغط على موظفي المحتسبية الثلاثة الذين يتعيّن عليهم إنجاز مئات المعاملات لقاضي السير في بعلبك والمعاملات الادارية لسائر الدوائر، بما فيها مراسلات المحافظ من أوامر قبض ورخص وغير ذلك». وفيما أكّد محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر أنه يتواصل مع وزير العدل سليم جريصاتي «لمعالجة سريعة للمشكلة»، لفت ياغي إلى ان المعالجة «لا تتطلب اكثر من قرار بسيط بفصل موظفين الى مالية بعلبك واستحداث صندوق مالية لقصر العدل. وبذلك تخرج معاملات العدلية على اختلافها، من بداية واستئناف وجزائي وسير، من دائرة الضغط على صندوق المحتسبية، مما يساهم في تيسير امور المواطنين والمحامين».




مبنى المحافظة: العودة الى ثكنة غورو!

بعد ورشة ترميم وتأهيل بلغت كلفتها 250 الف دولار عام 2017، في انتظار تشييد مبنى للمحافظة، «انحشرت» دوائر النفوس، العقارية، التربية، هيئة الكوارث وقسم الصحة وقسم أمن الدولة ومركز المحافظة في مبنى مدرسة البنات الرسمية في بعلبك.
وكان مجلس الوزراء خصّص 10 مليارات ليرة عام 2014 لتشييد مبنيي محافظة في كل من بعلبك وعكار، على أن تبدأ الأشغال بمجرد العثور على قطعة ارض مناسبة. مذذاك، لا تزال دوامة البحث تدور بين ثكنة غورو وثكنة الشيخ عبدالله. بدأ الأمر بقرار من مجلس الوزراء يحمل الرقم 2001/34 قضى بإخلاء ثكنة غورو وتحويلها الى سرايا حكومية، على أن يتولى مجلس الإنماء والإعمار ومجلس الوزراء دفع تعويضات للمهجرين القاطنين في الثكنة من اللبنانيين والفلسطينيين (كان عددهم وقتذاك 300 عائلة هجروا عام 1976 من الفنار والرويسات وبياقوت وتل الزعتر والنبعة). ورغم الكشوفات والإحصاءات لم ينفذ القرار واستعيض عنه باقتراح استبعدت بموجبه ثكنة غورو كمركز للمحافظة، وتم إعتماد قطعة ارض خلف دار المعلمين (8 دونمات). ألغي الإقتراح لاحقا وطرح آخر باعتماد قطعة ارض قرب ثكنة الشيخ عبدالله. اليوم، بعد سنوات طويلة من الانتظار، عادت الأمور الى نقطة الصفر. محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر كشف لـ«الأخبار» العودة الى خيار ثكنة غورو، وأن الأمر بات في عهدة مجلس الوزراء المخول تقدير الخيارات المناسبة لجهة التعويضات ودفعها، خصوصا ان «عدد القاطنين في الثكنة من الإخوة الفلسطينيين زاد عددهم، بالإضافة الى السوريين الذين التحقوا بهم».




دوائر الهرمل: «ساعي بريد»

لطالما ظلمت التسمية قضاء الهرمل. الإلحاق الدائم لاسم المدينة الواقعة في البقاع الشمالي باسم بعلبك، يوحي لمن لا يعرف المنطقة أن المدينتين متجاورتان تماماً. فيما، في الواقع، تبعد الهرمل عن مركز المحافظة في بعلبك نحو 60 كيلومتراً. القضاء الذي تبلغ مساحته 136 كيلومتراً مربعاً وتتناثر قراه وبلداته بين جرود الهرمل ــــ الضنية غرباً والحدود اللبنانية ــــ السورية شرقاً، لم ينل من «كعكة» إقرار بعلبك ـــ الهرمل محافظة مستقلة إلا الفتات. ولا يزال يعاني من غياب الإدارات الحكومية الرسمية. مكتب تعاونية موظفي الدولة، الذي تقرر افتتاحه منذ أكثر من عام في سراي المدينة، لا يزال مقفلاً، مما يضطر المنتسبين للتعاونية للتوجه إلى بعلبك (120 كيلومتراً ذهاباً وإياباً) لإنجاز اي معاملة. «وبعض المعاملات قد لا ينجز في يوم واحد لغياب طبيب أو موظف، أو بسبب عطل طارئ، مما يضطر الموظف إلى تكرار السفر» كما يشرح محمود شمص لـ«الأخبار».
مكتب الضمان الإجتماعي شبه مقفل هو أيضاً. إذ يضم موظفاً واحداً فقط، يتسلّم طلبات المضمونين وينقلها إلى بعلبك لإنجازها. «مكتب الضمان ليس إلا ساعي بريد»، بحسب شمص. ويفتقد القضاء، كذلك، الى مكتب للسجل العدلي. فرغم موافقة وزير الداخلية والبلديات والمدير العام لقوى الأمن الداخلي على إفتتاحه، ودفع اتحاد بلديات الهرمل وبلدية المدينة 25 مليون ليرة لتجهيزه، «لم تُنفّذ الوعود بفتح المكتب»، كما يقول رئيس الاتحاد نصري الهق.
نائب رئيس الاتحاد عباس الجوهري يلفت، أيضاً، الى حاجة القضاء الى استحداث مكتب تابع للمنطقة التربوية ومكتب للأحوال الشخصية ومركز للمعاينة الميكانيكية وقصر عدل يتضمن قاضي تحقيق ومدعياً عاماً ومحكمة بدائية ومحكمة استئناف، وكذلك تعيين معاون أمين سجل عقاري، «خصوصا أن المكتب موجود ولكن لا يوجد معاون لممارسة اعماله وتسيير معاملات أبناء القضاء». كما تحتاج الهرمل إلى رئيس مكتب للتنظيم المدني، إذ «يوجد موظفون في المكتب، ولكن لا رئيس للتوقيع على المعاملات».