لطالما شغلت قضايا المرأة الفكر الإسلامي المعاصر، ولا تزال تأخذ حيزاً مهماً في انشغالاته. حتى في الفضاء العام، وخارج الأسوار المغلقة، أصبح النقاش واقعاً بعدما كان ممنوعاً. ففي وقت يقبع بعضهم عند النشأة، أي نشأة الاسلام، ويرفض الخروج من «الشرنقة»، نجد أصواتاً أخرى مجدِّدة تطالب بضرورة إعادة النظر في وضع المرأة المسلمة، تحديداً على المستوى التشريعي.


مع ظهور العلوم الدينية، ولما كان التوصل إلى الحكم الشرعي في علم الفقه يحتاج إلى مقدمات كثيرة من العلوم الأخرى، أُسست الحوزات الدينية في مختلف أقطار العالم الإسلامي، لتكون مدرسة لتعليم الرجال العلوم الدينية. كان ذلك على اعتبار «أن النساء شقائق الرجال». لم يدم الأمر طويلاً حتى فتحت هذه الحواضر أبوابها للنساء أيضاً، لكن «ضمن سقف معين».
«أذكر اليوم الذي قررت فيه الدخول إلى مكان لا يشبهني ولكن كان لا بد منه، كان لا بد من اسكات الضجيج في رأسي».
هكذا تعلل زينب سبب دخولها حوزة دينية. تروي بداية تجربتها، وكيف كانت «تبحث عن الله» بعيداً عن إجابة أمها المألوفة أن «الله نور»، وامتعاض والدها من كثرة أسئلتها. ترى زينب في الحوزة المصدر الموثوق للمعرفة الدينية، إذ إن هدفها كان، منذ البداية، التعرف إلى دينها بعيداً عمّا اكتسبته من أهلها، على قاعدة «أن الدين الموروث هو دين استعارة». زينب التي كانت تظن أن الحوزة هي لابنة السيد أو الشيخ أو الحاج وأنها لا تتلاءم مع طبيعة حياتها ولباسها. تصف نفسها بالشجاعة، لأنها استطاعت أن تتحدى نفسها، وترى أن المرأة التي استطاعت أن تثبت نفسها في كل مكان، وأن تكون ندّاً للرجل، لن تقف عند حدود الميدان الديني. رغم أنها تعرف أن ما يعتقده كثيرون في بيئتها لا يزال سائداً. يظنون أن هذا ميدان الرجل، وأن النساء «عم يتعبو عالفاضي». لا آفاق مفتوحة أمامهن.


المنهج الدراسي المعتمد في غالبية الحوازت الدينية موحد إلى حد كبير بين النساء والرجال

زينب تثق بأن المسألة مسألة وقت، وأن التغيير لا ينزل بالـ«باراشوت». نسألها إن كانت تريد أن تصبح مرجعية إفتائية فتجيب: «بس يقبلوا الرجال إنو المرأة تؤم الصلاة فيهم ساعتها منحكي بالموضوع».
فاطمة نشأت في كنف عائلة ملتزمة. لم يكن دخولها للحوزة إلا بهدف زيادة معلوماتها الدينية. أرادت «تركيز المفاهيم الأخلاقية في سلوكي العملي». والجملة الأخيرة حوزوية الوقع, وعلى الوقع ذاته، تضيف: «الدروس الدينية لتوطيد علاقتي مع خالقي». تعتقد أنه «هنا نعرف الله». وكلما ازداد الإنسان معرفة بالله، «ازداد خشيةً». كما أنها ترى أنه «في وقت امتلأ العالم بالمذاهب الباطلة والأفكار المنحلة وغيرها من الأمور الهدامة، من واجبنا، كمسلمين، أن نكون على قدر من المعلومات الصحيحة لنواجه فتن الشبهات التي تموج كموج البحر». فاطمة أقل تشكيكاً من زينب، وأقل نزوعاً للمعرفة. أكثر رغبة بالتدين. تعقتد أنها ستصل إلى الله عن طريق غير طريق الموروث، لكنها ليست في صدد مواجهة «حكي الناس».
لاريسا دخلت الحوزة لتتعرف إلى الحياة من منظور ديني. تفترض أن الدين «ملمّ بكل الجوانب الحياتية»، ولذلك ذهبت إلى الحوزة. وتفترض، أيضاً، أنها هكذا تكون امرأة ناجحة في أي موقع كانت فيه. ترى أن الإسلام أعطى المرأة أدواراً مهمة، أما عدم السماح لها بأن تصبح مرجعية للإفتاء فلأن ذلك لا يتناسب مع الأدوار المنوطة بها، فضلاً عن أن المرأة مكلفة مع الرجل النهوض بالأرض ومحاربة الفساد والدعوة إلى الله فـ«لماذا نقف عند تفصيل بسيط»! رغم أهمية هذا التفصيل، تعتبره لاريسا بسيطاً. وهي مقتنعة بالنظام البطريركي ــ الحوزوي.

وحدة المناهج

في العودة إلى المرأة ومرجعية الإفتاء، لا بد من الإشارة الى أن المنهج المعتمد في غالبية الحواضر (الحوزات) العلمية هو منهج موحد إلى حد ما للنساء والرجال، يبدأ أولاً بدراسة المقدمات. وفيها يقتصر الطالب على دراسة النحو والصرف والبلاغة والعروض والمنطق والفقه، لينتقل بعدها إلى المرحلة الثانية التي يتهيأ فيها لدراسة الكتب الاستدلالية والأصولية والفقهية والعقائدية. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة السطوح العليا، أي المرحلة التمهيدية للتخصص، ليصل بعدها إلى مرحلة البحث الخارج وهي الأخيرة التي ينتقل اليها الطالب بعد أن يمر على كل مراحل الفكر الإسلامي. وقد يكون الطالب، هنا، مدرّساً لمن هم أدنى منه في التحصيل العلمي. أما مرحلة الاجتهاد فهي تلك التي يصبح فيها الطالب ملمّاً بالشريعة أصولاً وفروعاً من مصادرها، وقادراً على استنباط الأحكام وصياغة الدليل والجمع بين الأحاديث ومناقشة الأقوال. وإذا تعمقنا في الموضوع أكثر، في المذهب الشيعي ـــــ على سبيل المثال ــــ فسنرى أن الإفتاء فيه قد قسم إلى درجتين:
1ــــ مجتهد يحق له الإفتاء لنفسه ولا يجوز له تقليد غيره وهو ما سمح للمرأة فيه.
2ــــ مرجع تقليد يحق له الإفتاء للعموم. وهذه «مهمة الرجال»، علماً انها قد تتمتع بقدرة اكتشافيّة استنباطيِّة تفوق سابقتها.

هل الإسلام «ذكوري»؟

يحتاج هذا إلى إجابات عميقة. فالسؤال ليس سهلاً. ولكن، حسب مشاركات في التعلّم الحوزوي، لا يرجع السبب في ذكورية الفقه الإسلامي إلى الإسلام نفسه، باعتباره مطلباً دينياً عند البعض. إذ إن أحد أهم شروط المرجعية لديهم هو «الذكورة». ليس في الإسلام ما يمنع المرأة أبداً من تولي المهمة، فالمرجعية تعني رجوع الجاهل إلى العالِم، ولا فرق في ذلك بين المرأة و الرجل، إنما يرجع السبب في ذلك إلى مذاق الشارع الذي يرى أن الوظيفة الشرعيّة المرغوبة من النساء إنّما هي التحجّب والتستر، والتصدّي للأمور البيتيِّة، من دون التدخّل ف يما ينافي تلك الأمور.
يلفت الشيخ حسين الخشن إلى أنه يمكن للمرأة أيضاً، وفق الاجتهاد الفقهي، أن تنخرط في العملية السياسية وأن تلعب دوراً في هذا الأمر، مستشهداً بواقع المرأة في الجمهورية الإسلامية في إيران. ماذا عن المرأة اللبنانية في بيئة المتأثرين بالجمهورية الاسلامية في إيران؟ الفوارق تبدو شاسعة. مجدداً، يحتاج هذا إلى أبحاث طويلة. حتى إن كان كثيرون يرون أن دور المرأة في الحياة السياسية الإيرانية يحتاج إلى تدقيق، والحديث عن حرية المرأة الإيرانية يحتاج إلى بحث أعمق، في دورها بعد الثورة وقبله. المهم في الأمر، أن الشيخ الخشن، يلفت إلى وجود اجتهاد فقهي معاصر، يرى أنه بالإمكان أن تصل المرأة إلى أعلى المراتب العلمية ــ الدينية، وليس ثمة ما يمنع من تسلمها حتى سدة المرجعية، وإن كان «جمع من الفقهاء لا يزالون يتحفّظون على إطلاق الفتوى بهذا، لاعتبارات لا تخلو من نقاشات وتحفظات». ولكن، إلى متى؟