تضمحلّ لغات بيروت المعمارية يوماً بعد يوم. تسقط المباني اللطيفة العتيقة وتنتصب مكانها الأبنية الطوليّة الـ«رّيجيد». تغيب المساحات العامة وتحلّ مكانها المجمعات التجاريّة/ الأوتيلات/ المنتجعات كبديل، ويتحوّل «المواطن المديني» (ذكوراً وإناثاً) إلى مشروع «مُستهلِك» في المدينة ـــ القرية المضخّمة بيروت. ثم هناك تبدلات معمارية جذرية داخل المدينة على مستوى تخطيطات الشوارع الكبيرة القاطعة بين أطرافها بوتيرة يصعب اللحاق بها وفهمها في آنها، وما تحملُه من مفاهيم مشوّهة لمكوّنات المدينة وتفكيك أجزائها، تحديداً المجال العام. ولكن ما يصمد هو الشارع وإشغاله كمساحة عامة.
«نُعوّل على الشارع لتبقى بيروت»، تقول صديقة /عابرة/ بيروتية.
العام: مساحة تلاق/ ديمقراطية/ نقاش/ مساواة/ قراءة لغة المدينة. أن أقرأ المدينة من شوارعها (مجالها العام الأوضح)، من ناسها العابرين إلى سبيلهم اليومي، من بائعي التجول وبسطاتهم، من المتسكّعين ودائمي التجوّل.

المدينة، السلوك اليومي لساكنيها. المجال العام المُغتصب في بيروت هو فعل سياسي من صنّاع قرارها فيها، ويحصل أن يكونوا هم أنفسهم رجال أعمالها، مستثمري سكانها. المجال العام، المضمحلّ وقتاً ومساحةً، تسقط أمامه فكرة الاستعمال، تضيق المدينة بساكنيها، تدفعهم نحو البدائل «مكامن الاستهلاك»: المولات. حُكماً، ينتقل المجال العام إلى فئة طبقية معيّنة: «ردّة فعل على عدم قدرة ولوج السوق» (لا بديل)، إلى فقراء المدينة، تحديداً لفئتها الاجتماعية المسيطرة ــــ ذكورها/ المهيمنين، الملقبّين «أولاد الشوارع» (المصطلح ليس في سياق الإهانة). تُقصى المرأة ــــ المواطنة عن العام، خوفاً في الغالب، ولا مانع «قانونيّاً» لوجودها فيه.


«تنورتي تحدّد مسار تنقلي اليومي من عدمه». تنورة يعني أشرفيّة، جميزة، مار مخايل، متحف

عُرفاً، يُصبح استعمال «العام» ممنوعاً. السير على تقاطعات الطرقات الكبيرة في المدينة، صباحاً، يتحوّل دعوى فاضحة للتحرّش: «اطلعي معي»، مثلاً. المجال العام ممنوع عن المرأة. لكن، المقبول: أنثى المدينة أن تضفُر في المجال العام على شكل سلعة، تسويق لمُنتج، وسيلة لجذب وللدفع نحو الشّراء. شهيّة ومُغرية على الواجهات، جريئة داخل علب الإعلانات المتحرّكة والصامتة. على الطرقات، التقاطعات، إشارات السير، وعند حدود زوايا استراتيجيّة على مستوى مجال الرؤية وكثافة مرور الناس. ظهورها مُؤدلج، محدّد بإطار: عرض مجوهرات، كايتيرينغ، مفروشات، why not؟
تتجرّد إلى أعضاء وقد تُختصر بانحناءة جسد أحياناً. أنثى محدّدة، كادر في كادر المدينة. أنثى للعموم. إعلانات/ جذب استثمارات/ «نسوان»/ سويسرا الشرق/ وسوّاح ــــ ذكور ــــ سوّاح. الرأسمال يتكلّم، السياسة تُهيّئ و تُخطّط، الصحافة تُبرّر وسكان مدينة مستترون خاضعون. يصمت الجميع ويدخلون في دورة تغذية الرأسمال. مختبئة في «السَّكن» أنثى بيروت. مغلّفة داخل سيارتها الخاصة. أو الـ«ألتيرناتيف» الأسهل: وجود ذكر. «محاطة» بذكر (الحماية).
«تنورتي تحدّد مسار تنقلي اليومي من عدمه». تنورة يعني أشرفيّة، جميزة، مار مخايل، متحف. الشال والجينز عند الخروج نحو التقاطعات الكبيرة. الجينز للسفارة الكويتية أيضاً، المشرفيّة، بسطة، كولا، إلخ. خريطة مسارات يومية لتحديد ظهور المرأة في مجال المدينة، مدينة ذكوريّة. أنثى «للفرجة» ــــ لحشو غرائز ذكور مدينة مقموعين وممارسي «حب» في الخفاء. امرأة بيروت، مُنكشِفة ــــ مغلّفة. مُختبئة في علبة إعلانات. مَمنوعة عن العام المديني وعمارته ــــ لا تظهر إلّا في عُلب. بيروت مقصيّة عن إناثها.