أخيراً، بعد طول انتظار، افتتحت بلدية حارة حريك «ميدان شهداء المقاومة»، على تقاطع بوليفار الشهيد هادي نصر الله وبوليفار الشهيد عماد مغنية. لكن العمل الذي جاء ضمن حملة «ضاحيتي» التجميلية لم يسلم من الاعتراضات. في البداية، انصبّ معظمها على ضرورة إيلاء الأمور المعيشية والبنى التحتية الأولوية قبل الأمور التجميلية التي لا تبدو، بالنسبة لكثيرين في الضاحية الجنوبية، منسجمة مع «الجو العام». إلى ذلك، هناك انتقادات تطرقت للشق الفني من العمل، ورأت فيه انتقاصاً من الشهادة، إذ أنه «ضعيف وفقير فنياً، ويمكن إدراجه ــــ في أفضل الأحوال ــــ في إطار تجميل الجسور، وتصنيفه تحت هذا المسمى».

«لا يمكن أن يقام عمل تخليدي تحت جسر»، بحسب المهندس في العمارة الداخلية محمد حسين شحادة. هذا العمل، في رأيه، لا يرمز إلى الشهداء وعظمتهم، بل هو عبارة «عن بركة مياه حولها مساحة خضراء اصطناعية (غازون اصطناعي) محبوسة تحت جسر».
شحادة الذي قدّم بحثه الجامعي حول الأعمال التذكارية، يشبّه المكان بـ«حديقة عامة حزينة لا يدخلها نور الشمس، سميّت ميداناً». وهي «تسمية فضفاضة»، فالمكان لا يرتقي في مساحته إلى مساحة الميدان الذي يكون، عادة، مساحة فسيحة وليس دائرة لا تتعدى الأمتار العشرة.

النُصُب يمكن أن يرمز إلى نكسة أيضاً كما هي حال تمثال الشهداء - مروان طحطح

يعدد شحادة نقاطاً عدة تجعل العمل «ضعيفاً فنياً». فهو، أولاً، لا يحوي فكرة «تعبيرية» ترمز الى الشهداء: «فكرة العمل مباشِرة»، يقول. و«هي عبارة عن أشكال هندسية بدائية... إذا نزعنا عنه اسم ميدان شهداء المقاومة لن نجد ما يرمز للشهداء. وعندها يمكن أن يحتمل أسماء كثيرة كميدان الورود مثلاً. ولكن لأنهم ألصقوا به هذا الاسم، سيقال إن الماء يرمز للحياة وإن الحياة هي الشهداء». يستفيض شحادة شارحاً أن إحدى أهم وظائف النصب التذكارية هي الوظيفة الإعلامية إلى جانب الوظيفة الجمالية. ويوضح: «أهمية النصب تكمن في مدى حضوره وتواصله مع المشاهد. ولكن في حالة هذا الميدان، لن يلاحظ المارّ نهاراً شيئاً لأن ظلّ الجسر يحجب الرؤية، فيما قد يلفت النظر ليلاً عندما يضاء».
فياض: النصب لها وظيفتها وليست كما يتخيّلها من يحلو له أن ينشئها


أما الألوان المستخدمة (الأزرق النيلي والأصفر)، فهي «ألوان فاقعة تستعمل عادة لصالات الأفراح ورياض الأطفال». وهي، بحسب شحادة، «لا توحي بالقوة والبطولة والروحانية التي يبثها مفهوم الشهادة». الأمر نفسه ينسحب على المواد المستعملة، مثل الـ«أليكوبوند»، وهو نوع من الألومينيوم الملبّس الذي يستخدم عادة في واجهات المحال التجارية والإعلانات والمباني السكنية. أما استخدام الحجر الصخري، الذي بات يستعمل بكثرة في المباني السكنية أيضاً، فقد زاد الطين بلة. إذ «لم يعد يوجد ما يميّز العمل عن محيطه، لا بل دُمج مع التلوث البصري الموجود بالمحيط وتماشى معه، فيما أولى مرتكزات النصب التذكارية أن تقام في نقطة محورية مركزية تشدّ الأنظار إليها لتتحوّل مزاراً، وأن تتميّز عن محيطها». باختصار، في رأي شحادة، «هذه فاجعة في تاريخ العمل الهندسي التذكاري»!

حاطوم: لا مساحات في الضاحية. هذا المتوافر فهل نخترع مكاناً؟


يتمنى شحادة، وآخرون، لو تأخذ البلديات برأي المهندسين والمصممين الذين يعيشون في نطاقها البلدي عند الإعداد لمثل هذه المشاريع، والاهتمام بكل التفاصيل، قبل الخروج بخلاصات هزيلة. ويمكن «إعلان مسابقة يتبارى فيها مهندسون ضمن نطاق البلدية، والمشروع الذي ينجح يمنح المال للتنفيذ»، مشيراً إلى أن أعمالاً كهذه «تستغرق من المهندس وقتاً لإجراء أبحاث حول الحدث المنوي تخليده. وأمر كهذا لا يمكن أن يكون تطوعاً».
في موازاة ذلك، يبدو نائب رئيس بلدية حارة حريك، أحمد حاطوم، صاحب فكرة المشروع، سعيداً بـ«الميدان»، لا بل يرى أنه «أقيم في أفضل مكان حيث نقطة التقاطع بين بولفار هادي نصر الله وجسر عماد مغنية بما يحمل ذلك من رمزية».

النُصُب قد يكون عبارة عن تجميع لأشياء لها دلالاتها كما في معلم مليتا - هيثم الموسوي
يوضح حاطوم أن البلدية اعتمدت هذا التصميم لأنه «يحوي كل المواصفات والمعايير الجمالية ويقع ضمن إمكانياتها المادية». أما عن الفكرة، فيطلق حاطوم جملةً موسيقية: «الماء عنوان الحياة والشهداء هم المياه التي بفضلها نحيا». ما يعرفه حاطوم هو أن «ردة فعل الناس الغالبة كانت إيجابية». لكنه منفتح على النقد، فموضوع «الجمال نسبي». وعن كون المساحة لا تعتبر ميداناً نظراً لصغرها، يقول: «ميدان ونقطة على أول السطر. لا مساحات في الضاحية. هذا المتوافر، فماذا أفعل؟ هل اخترع مكاناً؟». ويعقّب بأن المكان «كبير بالشهداء، وليس بالمساحة». في هذه الحالة، هل كان الأجدر بناء «ميدان» معنوي، بدلاً من الألومينيوم والحجر الصخري؟ الإجابة لم تعد مفيدة. الصرح بات تحت الجسر. والمارة يمرّون. والشهداء، في أية حال، باقون في قلوب محبيهم.


فياض: لا أعرف نصباً ملونة

يشرح المعماري رهيف فياض، في اتصال مع «الأخبار»، أن النصب رافقت استقرار المجتمعات الإنسانية ووعبرت عن انتصاراتها وهزائمها. وأضاف: «ليس بالضرورة أن تكون النصب تماثيل. هي عبارة عن كتلة صلبة عادة تكون معدنية أو رخامية أو صخرية، أو حتى تجميع بعض الأشياء كما في معلم مليتا، شرط أن تكون دالّة».
يجزم المعماري الشهير: «لا أعرف نصباً ملونة». وفي رأيه، «فكرة الميدان ضعيفة، ولا سيما أنه محجوب بسقف، هو الجسر. اختيار هذا المكان، في حدّ ذاته، لتخليد الشهداء غير موفق». والمطلوب «أنسنة المكان وجعله أليفاً». أما أن الماء يرمز إلى الشهداء، فيلفت إلى «أن الماء يرمز إلى أشياء عديدة، وعليه فلا بد من مكون له بعد رمزي دال إلى الفكرة التي نريد تخليدها». يشدّد فياض على أن «الدلالة هي الأهم. فالنصب لها وظيفتها، وليست كما يتخيّلها من يحلو له أن ينشئها. قد ترمز إلى مقدس، أو إلى محبوب أو إلى انتصار، ويمكن أن ترمز إلى نكسة أيضاً كما في حال تمثال الشهداء في وسط البلد».