من بعد «بحبك يا لبنان» و«أحد غير شكل»، ساحة النجمة على موعدٍ، غداً، مع «ذكريات بيروت». سيكون هذا النشاط هو الثالث الذي تحضّر له بلدية بيروت تحت شعار إعادة إحياء «قلب المدينة».. تذكّرت البلدية ساحة النجمة من نافذة استرجاع أجمل الذكريات عن «عاصمة الشرق» ـ كما جاء في الإعلان الذي روّجت له مؤخراً ـ من خلال اليوم «التراثي» الذي يجمع الناس حول مائدة مأكولات شرقية، ويريهم في ما بعد تحفاً وأنتيكا من «الماضي الجميل».

هكذا، إذاً، أرادت بلدية بيروت إحياء التراث بنشاط مأكولات شرقية وقطع أنتيكا، بدلاً من أن تحافظ على هذا التراث من خلال ترميم الأبنية والحفاظ عليها كوجه بيروت في زمنها الجميل. والأهم من كل ذلك، إيقاف الهدم المستمر لمبانٍ تشكّل جزءاً من هويّتها العمرانية. لكن، على ما يبدو هذا لا يؤتي أكله، فدونه درب طويل، لذلك اختار رئيس البلدية جمال عيتاني الطريق الأقصر من خلال الطلب من أصحاب محال الأنتيكا في «سوق العتق» في البسطة بالنزول إلى ساحة النجمة مع بضائعهم.

في الأيام الخوالي كانت البضاعة تأتي «من البيوت القديمة من كل المناطق اللبنانية


تلك البضائع ـ التحف التي كانت ذات يومٍ في بيوت بيروت العتيقة في ساحة البرج التي صارت اليوم «سوليدير». تحف البيوت التي سوّيت بالأرض وسوّيت معها حقوق أصحابها، والتي تعود اليوم إلى «مكانها» للعرض. وهذه معادلة صعبة. أما الأصعب، فهو نظرة البلدية إلى أصحاب محال الأنتيكا، الساكنين على الضفة الأخرى لساحة النجمة. هؤلاء المتروكون لحالهم، الذين لا يزورهم رئيس بلدية المدينة سوى لطلب «المؤازرة» بإحياء الساحة الباردة. والمضحك هنا، بحسب أصحاب المحال، أن زيارة عيتاني هي الأولى على «مستوى» رئيس البلدية، إذ لم يسبق لأي من الرؤوساء الذين تعاقبوا على بلدية بيروت أن زاروا هؤلاء لسؤالهم عن أحوالهم. فلا أهمية للأزمات ما بعد سوليدير وساحتها، طالما أنها خارج إطار «الصورة».

«الشارع 22»

هنا «الشارع 22» في منطقة البطركية. هكذا دوّن في لوحة الترقيم على الحائط. من هنا، يبدأ سوق الأنتيكا أو «سوق العِتق» عند حديقة كرم العريس حتى الإطفائية نزولاً. ويتفرّع منه إلى اليمين شارعان متوازيان. أحدهما شارع الخرسا (تعود تسميته إلى أحد المناضلين) وفيه يمتدّ السوق الأساسي الذي يضمّ نحو مئة محل. تصطفّ المحال على الجانبين تحت سقف واحد، على مقربة من مدرسة «الأُناس» الرسمية التي دُمجت لاحقاً مع مدرسة أخرى. يرجّح تجّار الأنتيكا بأن سوقهم يعود إلى الستينيات، ويحدّد بعضهم عام 1967. لكنه، لم ينشأ من لا شيء، فقد كانت هناك محال تعود إلى بداية القرن العشرين. لكن السوق بشكله الحالي بدأ العمل به في الستينيات. تلك المحال القديمة «هبّطت»، يقول أحد التجار. ويضيف «كانت لها أبواب خشبيّة كبيرة تفتح إلى الخارج، مثل الخانات القديمة، يعني مثل سوق طرابلس».
برغم فقدان السوق لطابعه القديم إلّا أن «العِتق» تترك آثارها وغبارها على الأبواب والزجاج والطاولات والأثاث. بناية واحدة صامدة بعمارتها القديمة: بناية الكنفاني. ما عدا ذلك، كل شيء تغير.
يبدأ السوق حركته منذ الثامنة صباحاً وحتى السادسة مساءً. يقفل أبوابه يوماً واحداً، ليعاود فتحها صباح الأحد أمام زوّاره، أو بحسب تعبير أصحاب المحال هناك، الزبائن «المحنّكين» الذين يفهمون بالأنتيكا.
تتراوح إيجارات المحال فيه بين 800 و1500 دولار أميركي. يقول يوسف عمار إنّ «هذا السوق له شهرة عالمية». يتذكّر يوم «كانت المصلحة تعيّش، حتى بإيّام الحرب ضلّينا نفتح وكنا نعتبر يومها في قلب المدينة ومش بعاد عن الساحة». اليوم، صارت الساحة بعيدة. ليس بالمسافة الفاصلة «وإنما بالهوية، هي مختلفة تماماً عنا».

«غزو جديد»

يستقبلك التاجر يوسف عمار، الخبير المحلّف لدى الدوائر الرسمية بالأنتيكا كما يعرّف عن نفسه، في «ديوان عمّار» حيث لتوزيع القطع وترتيبها شكل مختلف. هنا «تربيزة» صدف وعظم. كنبة ديوان عثماني من أيام السلاطين وعمرها 150 عاماً. «سراجين كاز» فخارية. صدر عثماني كبير بقطر نحو متر ونصف عليه رسوم تجسّد اسطنبول من الجهات الأربع عمره نحو 200 سنة. «زوجا فاز» إغريقيان ضخمان من البرونز الذي تحوّل إلى أخضر لشدّة قدمه. صندوق هندي قديم «لجهاز العروس»، ومعه مرآة ضخمة بنقوش وتطريزات هندية. صالون فرنسي من الحرير الأصلي بسعر ليس في متناول اليد. إنّها عيّنة من القطع الفريدة التي اختار يوسف شراءها في رحلاته. درس يوسف الديكور وورث المحل عن والده. المصلحة هنا يتوارثونها «أباً عن جد». ومعظم العاملين فيها قادمون من الجنوب، من مرجعيون وميس الجبل. يفاخر يوسف بأن تجار «سوق العِتق» استطاعوا «إدخال الخليجيين إلى عالمهم». كان ذلك قبل نحو خمس عشرة سنة كما يتذكّر «أقنعناهم بضرورة تنويع الفرش بين المودرن والأنتيكا ذات الطابع الإسلامي أو العربي».

هناك قطع تصنّع اليوم وفق الطراز القديم ولكن لا يمكن بيعها على أساس أنها أنتيكا


في الأيام الخوالي، كانت البضاعة تأتي «من البيوت القديمة، من كل المناطق اللبنانية، خصوصاً من وادي بو جميل والذي كان يسكنه يهود»، يقول محمد شقير أحد تجّار الأنتيكا في البسطة. أما الآتي من الخارج، فـ«نأتي به من دول ذات حضارة»، كما يصفها، مثل «فرنسا وتركيا وإيران وإنكلترا وسوريا طبعاً، حيث نأتي منها بالصدفيات والصناديق». اليوم، أضيفت إلى لائحة مصادر البضاعة دول جديدة، يعدّدها محمد «انفتحنا على مصر وإندونيسيا والصين».
ثمة قطع «حديثة» في السوق. فهل تكون مزيفة؟ كأن تكون حديثة الصنع؟ يوضح يوسف عمار من موقع الخبير «ثمة قطع يتمّ إنتاجها حديثاً، إنما وفق الطراز القديم، وسعر بعضها مرتفع وهذا مطلوب من الزبائن، ولكن لا يمكن بيعها على أساس أنها أنتيكا». وفي حال لم يكن الشخص خبيراً «يمكن ينغشّ، حتى نحن ممكن ننغش، لكن ذلك نادراً ما يحصل». بالنهاية «في ناس بتزرع البحر بطّيخ» يقول يوسف ضاحكاً.

«مصلحة كانت تعيّش»

لا زبائن في سوق العتق كما في الأسواق العادية. فهنا، عليك انتظار الزبون بالساعات وبالأيام وبالأشهر ربما. وبحسب تعبير أحد أصحاب المحال «هيدي المصلحة بدّك تكسر إجرك وتقعد عليها». هذا الأمر هو ما دفع بكثيرين هناك لترك مهنتهم والبحث عن مهنة أخرى تأتيهم بالرزق. تعاني هذه المهنة من «قلّة حركة الإجر عليها»، يقول صاحب مؤسسة كوثراني، وهو الآتي من منطقة السوديكو حيث كان إلى البسطة، علّه يحظى بفرصة بيع أفضل.
لم يعد كوثراني قادراً على تغيير مهنته، فقد اعتاد هذا «الشغل». اعتاد تجميع الأنتيكا، منها ما هو مصنوع من الزجاج ومنها ما هو من الخشب، إضافة إلى السجاد والكريستال والبورسلين والسيراميك والحديد واللوحات. ماذا بالنسبة للأسعار؟ يقول الرجل: «كل قطعة إلها سعر بحسب نوعها وعمرها». يشير بيده إلى زجاجات «النراجيل» على الرفّ، إيرانية الصنع، ويقول: «سعر الواحدة من هذه ميّة خضراء». و«الميّة الخضراء» هي «المئة دولار» وهي السعر الذي تنطلق منه القطع، وقد يصل سعر بعض القطع إلى «عشرات الميّات». يتابع كوثراني «لدي مثلاً فاز من البورسلين يصل سعره إلى 30 ألف دولار». وهذا السعر ثابت، بحيث «ولا إمكانية للتلاعب به بحسب وضع الزبون». كل شيء ثابت. الأسعار ثابتة، والزبائن هم أنفسهم «اللبناني الذوّيق والمغترب المأخوذ بالحنين والأجنبي الذي يطمع بقطعة للذكرى والخليجي الآن». ولكن، من بين هؤلاء «من لا يفهم بالأنتيكا فيشتري موديلاً ويرحل وهناك من يفهم ويواظب على الشراء». مع ذلك، الزبون ليس من يشتري فقط، إذ ثمة «زبائن يأتون حاملين أغراضهم وعفش منازلهم ليبيعوها» يقول.
اليوم، خفّ زبائن محل كوثراني، فقد تراجعت الحركة في السوق بسبب الوضع الاقتصادي للبلد. لم تعد المهنة «عيّيشة» ولكن، لا خيار آخر، فهي كل ما دلى هؤلاء الذين اعتادوا على العيش بين «العتق».