اسمها هُدى. لكنّ لا أحد من جيرانها يعرفها بهذا الاسم. يعرفونها «أم محمد»، المرأة التي لا تذكر يوم ميلادها ولا ميلاد ولدَيها. «أعرف أن عُمري اليوم خمسون»، تقول بخجل. خمسة عشر عاماً كان عُمرها عندما تركت بيت أهلها في طريق الجديدة، وتزوّجت رجلاً من الجنسية السورية. بعدها بسنوات قليلة سيموت زوجها ويترك لها ولدين: سوسن (27 عاماً)، التي تعاني من صعوبات ذهنية، إضافة إلى إصابتها بداء السكّري، ومحمد (18 عاماً) الذي لم يتعلم، ولم يستطع الحصول على عملٍ ثابت.

لا رفقة لِهدى سوى ولدَيها. تقول إن الحياة علّمتها أن الوحدة نعمة لا يحظى بها كثيرون. هدى مُصابة الآن بسرطان في الغدّة. قبل تنظيف القبور، عملت في تجميع الكرتون وعبوات التنك. تتنقلّ سيراً على الأقدام كي تُوفّر أُجرة التنقل، حتى أنها يوم عملية استئصال الورم التي خضعت لها منذ أشهر، سارت الى مُستشفى رفيق الحريري الحكومي على قدميها المتورمتين. تزور هدى المُستشفى عدّة مرات، حيناً كي تتلّقى علاجها، وأحياناً كي تتابع حالة سوسن الصحيّة.
أخيراً، وافقت وزارة الشؤون الاجتماعية على استفادة أم محمد من التقديمات الصحية التي تُقدّمها الوزارة للفقراء الأكثر فقراً (وهو تصنيف يمعن في الطبقية ويطلب منّا التصالح معها ضمناً). لكنّ الوزارة لا تُغطّي تكاليف علاج سوسن، كونها غير لبنانية، وبطبيعة الحال لا تستفيد الشابة أيضاً من التقديمات الصحية التي تمنحها وزارة الصحة العامة اللبنانية. في الحالات التي تُشبه حالة أم محمد وسوسن، غالباً ما تلجأ إدارة المُستشفيات الحكومية إلى تحويل الملف إلى «جهات أخرى». الصليب الأحمر الدولي هو الذي تولى ملف أم محمد كي يُساعدها على تغطية النفقات الصحية لعملية استئصال جزء من الورم، إضافة إلى المتابعات الصحية الخاصة بسوسن.
سعياً منها إلى إيجاد مورد رزق آخر، فتحت الأم الخمسينية دكاناً صغيراً لأدوات التنظيف المنزلية بالشراكة مع أحد الجيران في الأوزاعي. أحياناً، تحصل منه على خمسين ألف ليرة بالشهر وأحياناً أخرى عشرين ألف، لا أكثر، وفق ما تقول المرأة التي تدفع إيجاراً في الأوزاعي، يبلغ 200 دولار شهرياً. بيت أم محمد هو عبارة عن غرفتين شبه فارغتين. لا قفل للباب. لا خزانة ولا براد ولا فرن غاز. أين تحفظين الطعام؟ تضحك هنا. تصمت قليلاً وتقول إنها «تُيسّر كل يومين قطعاً من الجبنة أو اللبنة التي لا تحتاج الى غاز أو برّاد»، قبل أن تستطرد... «لكنّ الجيران يخصونني بالفطور في شهر رمضان».
لا تعرف هدى غير طرقات بيروت. لم تخرج يوماً خارجها ولا تعرف ماذا يدور في البلاد. عندما تختنق تذهب إلى البحر في الأوزاعي، أو الى «جنينة التلفزيون» (الحديقة المجاورة لتلفزيون لبنان). في هذه الحديقة بالذات، عاشت أم محمد نحو شهرين وعشرة أيام في فترة من حياتها كانت خلالها شريدة ووحيدة مع ولديها. توقّفت أم محمد عن تلقّي العلاج منذ أسابيع. تقول إنها تشعر بتحسّن ولا تجد حاجة لاستكمال العلاج، وأنها لا تملك خياراً غير التماسك من أجل ولديها «الغريبين» في هذه البلاد. البلاد التي لا تعترف بالأمهات.