للمقعد الدرزي في بيروت حكاية تعود إلى أيام مؤتمر الطائف. وقتذاك، أصرّ الرئيس الأسبق لمجلس النواب حسين الحسيني، على جعل هذا المقعد في بيروت (كان الحديث عن المحافظة دائرة انتخابية)، وذلك بهدف تمثيل مختلف الطوائف في العاصمة، رُغمَ أن عدد الناخبين الدروز في حينه لم يكُن يتجاوز 3500 ناخب. لكنّ المكوِّن الدرزي في الطائف، بالتنسيق مع وليد جنبلاط، أصرَّ على أن يكون في عاليه. أُقرَّ رفع العدد، وتُرك أمر التحديد إلى وقت لاحق.

في عام 1991، ومن أجل إكمال عدد النواب بعد الزيادة التي لحظها اتفاق الطائف، وكذلك ملء المقاعد الشاغرة بوفاة عدد من نواب مجلس عام 1972، عُيّن نواب عن المقاعد الشاغرة أو المستجدة، فاختير أكرم شهيّب ممثلاً لدروز بيروت، بعدما تعذَّر الحصول على ضمانة بانتقال هذا المقعد إلى عاليه. كان هدف جنبلاط وقتذاك حماية رأس شهيّب، ووافقه الرأي معظم عائلات الدروز في العاصمة.
عام 1992، وفي أول انتخابات نيابية بعد الطائف، انتُخب عصام نعمان نائباً عن مقعد الدروز في بيروت في لائحة الرئيس سليم الحص. خاض نعمان، بدعم سوري علني، الانتخابات في مواجهة مرشح الحزب التقدمي الاشتراكي جهاد الزهيري الذي كان عضواً في لائحة الرئيس الراحل رشيد الصلح.
سقط الزهيري وربح نعمان. كانت النتيجة محسوبة. في انتخابات 1996، سمّى وليد جنبلاط الدرزي البيروتي خالد صعب في لائحة رفيق الحريري لتمثيل دروز العاصمة. أيضاً كانت النتيجة محسومة لصعب. تقاطع اسم غازي العريضي في انتخابات عام ٢٠٠٠، عند «المثلث الذهبي» (رفيق الحريري ووليد جنبلاط وغازي كنعان)، فكان أن فاز بالمقعد الدرزي.

درغام لـ«الأخبار»: أنا مرشّحة عن المقعد الدرزي على لائحة صلاح سلام


في انتخابات 2005 و2009 كان التحالف وطيداً بين سعد الحريري ووليد جنبلاط، خصوصاً على خلفية مشاركتهما في «الانتفاضة» ضد سوريا في لبنان. كان «الحلف الرباعي» ضد ميشال عون في كل لبنان كفيلاً بأن يمرّ غازي العريضي مرور الكرام، كما مرّ مرشحون كثر عن مقاعد مسيحية في لوائح حريرية ـ جنبلاطية في أكثر من دائرة انتخابية. أعطى العريضي لنفسه «قيمة سياسية مضافة»، بتزكية ترشيحه في المملكة من خلال تواصله في تلك المرحلة مع القيِّمين فيها على الملف اللبناني.
مع قانون الانتخاب الأكثري، في دورات ما بعد الطائف، كانت نتيجة الترشيح عن المقعد الدرزي في العاصمة، محسومة، في معظمها، لمن يحظى بتغطية سياسية (سورية ـ حريرية). لذلك، خابت آمال كل الطامحين للفوز بهذا المقعد، خصوصاً أن جنبلاط ظلّ الحليف الدرزي الأول لرفيق الحريري، ومن ثَمَّ لسعد الحريري، في النيابة والوزارة وتقاسم الحصص.
لكن مع القانون الانتخابي الجديد القائم على النسبية، سالت شهية الطامحين من أبناء هذه الطائفة في العاصمة. لم يعُد المقعد الدرزي في بيروت حبّة فاكهة انتخابية يُقدمها الحريري إلى جنبلاط حصراً في موسم الانتخابات الصيفية. صارَت للمعركة على هذا المقعد نكهتها وحساباتها المُختلفة.
دفعت معركة الحواصل جهات كثيرة للسعي إلى نيل المقعد الدرزي في بيروت. فهذا المقعد، حاله كحال باقي مقاعد الأقليات في دائرة بيروت الثانية، محكوم بمعادلات حسابية، تبعاً للقانون الجديد، ما أضفى جاذبية تتجاوز المرشحين الدروز، إلى من يقررون أمر اللوائح المتنافسة.
واللافت للانتباه أنه من أصل 14 مرشحاً، هناك فقط ثلاثة مرشحين من دروز بيروت (رجا وأنديرا الزهيري وسعيد حلبي ومرشحة رابعة متزوجة من بيروت هي زينة منذر). شكّلت مسألة اختيار مرشح درزي عن بيروت من خارج العاصمة، في دورتين انتخابيتين، فرصة لإعادة نظر جنبلاطية، فكان قرار «الاشتراكي» حاسماً في عام 2013 بالطلب من الوجه الدرزي البيروتي جهاد الزهيري تقديم أوراق ترشيحه رسمياً، قبل أن يقرر مجلس النواب التمديد مرة تلو الأخرى.
في دورة انتخابات 2018، قرر جنبلاط اختيار ابن عاليه فيصل الصايغ. كان لا بد للترشيح أن يمرّ أولاً من بيت الوسط، وثانياً من بيت العائلات الدرزية في العاصمة، «حيث يملك الحزب التقدمي الاشتراكي قوة تجييرية مرجحة لأي خيار يتبناه حزبياً وسياسياً، والدليل ما ستظهره الأرقام الانتخابية»، يقول أحد كوادر الحزب التقدمي في العاصمة.
أول من دخلَ على خطّ هذا المقعد هو طلال أرسلان، فأصرّ بداية على ترشيح مروان خير الدين، غير أن قرار حزب الله وحركة أمل بمسايرة جنبلاط في القانون والترشيحات، جعل أرسلان يتراجع عن خيار ترشيح خير الدين. لاحقاً، تردد اسم رئيس حزب التوحيد وئام وهاب، غير أن الأخير لم يصطدم بقرار أمل وحزب الله عدم ترشيح أي درزي على لائحتهما في بيروت لمصلحة مرشح جنبلاط، بل لأنه حسم خياره منذ اللحظة الأولى: تكون المعركة في الشوف أو لا تكون. لم يمنع ذلك حتى الآن من وجود مرشحين محسوبين عليهما، هما يامن نكد (وهاب) ونسيب الجوهري (أرسلان).
يقول نكد لـ«الأخبار» إن «المعركة اليوم اختلفت لأن تيار المُستقبل لم يعُد يتحكّم بمفاتيح العملية الانتخابية»، ولأن «الحاصل الانتخابي وتقسيم الأصوات التفضيلية من شأنهما أن يلعبا دوراً كبيراً بخلط الأوراق»، خصوصاً أنه «بات للصوت الشيعي في هذه الدائرة أهميته، وهو يشكّل نسبة 29 من المئة من أصوات بيروت». لكن هل هناك أمل لمرشّح غير جنبلاطي بالفوز؟ يرى نكد أن ترشيح فيصل الصايغ «هدفه الاستفادة الاشتراكية من أصوات عائلته في عاليه».
كذلك دخل حلبة المنافسة على هذا المقعد تحالف حركة الشعب والمرابطون وحملة «بدنا نحاسب»، من خلال تسمية المرشّح هاني فياض الذي رفض في حديث لـ «الأخبار» التصنيف الطائفي «الذي يدمّر البلد»، مؤكداً أنه «مرشح عن دائرة بيروت، وليس المقعد الدرزي»، مشيراً إلى أن «ما يشجّع أمثاله على خوض المعركة هو الجزء اليسير من النسبية في القانون الجديد، التي تسمح للجهات التي لا كتل وازنة تقف خلفها بإحداث خرق».
أما الإعلامية راغدة درغام، فقد أكدت لـ«الأخبار» انضمامها إلى لائحة صلاح سلام، مشيرة إلى انها «هي من طلبت من حزب سبعة عدم ترشيحها». وأكدت أنها «ليست في معركة ضد أحد، ولا تخوض الانتخابات ضد الحزب الاشتراكي وقيادته ومرشّحه فيصل الصايغ»، بل إن «ترشّحي جاء انطلاقاً من رغبتي في أن تكون المرأة الدرزية من ضمن المرشحات في لبنان، وحقها في أن تدخل المعترك السياسي، لأن لديها الكفاءة والقدرة، ولا سيما أن الحزب الاشتراكي لم يرشّح أية امرأة».
من المعروف أن عدد الناخبين الدروز في العاصمة يقدَّر بأكثر من خمسة آلاف مسجّلين في لوائح الشطب، لا يصوت منهم أكثر من ٤٠ في المئة. كذلك سُجِّل للمرة الأولى هذا العدد من المرشحين عن المقعد الدرزي، وهم: هشام خليل بو ذياب، أسعد شاهين ذبيان، زينة كمال منذر، نسيب كميل الجوهري، فيصل عفيف الصايغ، راغدة نبيه درغام، سعيد علي حلبي، يامن عادل نكد، هاني رامز فياض، رجا رفيق الزهيري، زينة شوقي منصور، خليل عارف حمادة، أنديرا سمير الزهيري ومحمود وديع عياش.



الصايغ: أنا مرشح اللائحة الأقوى

يرى مُرشّح الحزب الاشتراكي عن المقعد الدرزي في بيروت، فيصل الصايغ «عدم إمكانية استمرار كل المرشحين الذين وصل عددهم إلى 14 حتى النهاية، نظراً لحاجتهم إلى الانضمام للائحة معينة»، متوقعاً أن «تنحصر المنافسة بين ثلاثة أو أربعة مرشحين». يبدو الصايغ مرتاحاً لانضمامه إلى لائحة تيار المستقبل التي تُعَدّ اللائحة الأقوى، أضف إلى ذلك الاتفاق السياسي مع حركة أمل وحزب الله على عدم ترشيح اسم عن هذا المقعد، «وهو قيمة مضافة». مع ذلك، «لا يُمكن التساهل في هذه المعركة»، بحسب الصايغ الذي أكد أن «ما حكي عن اعتراض على ترشيحه لأنه من خارج بيروت تراجع، لأنه لم تكن هناك نقمة جوهرية، بل نقمة أثارها بعض الطامحين الذين تراجعوا في ما بعد».