"إن الأزمة تكمن في أن الماضي يموت ولكن الجديد لا يستطيع أن يُولد بعد"

انطونيو غرامشي

أتت الاحتجاجات الواسعة النطاق التي ضربت العديد من المدن التونسية في 8 كانون الثاني الماضي، عشية الذكرى السابعة للإطاحة بالرئيس التونسي السابق، لتعلن أن الأمور ليست على ما يرام في الدولة التي انطلقت منها شرارة الانتفاضات العربية في 2011. بل إن هذه التطورات أشارت بشكل أعم إلى الفشل في النظام السياسي العربي الجديد، وذلك لعدم قدرته على معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية، التي أدت إلى هذه الانتفاضات. فعلى الرغم من أن موجة الربيع العربي كانت مدفوعة بتطلعات الشعوب العربية لعكس عقود من ما سمي بـ"عجز الديمقراطية" في المنطقة، إلا أنها أيضاً عكست تطلعات الشباب والطبقات الوسطى والعاملة لعقد اجتماعي جديد، من شأنه أن يخفّف من عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، والتي تشكل وفقاً للكاتب آدم هنية "القضية التنموية الأكثر إلحاحاً في المنطقة العربية". ومع ذلك، في السنوات السبع منذ تلك الأيام المصيرية في يناير، تم إحباط هذه التطلعات من أجل العدالة الاجتماعية حتى في تونس، البلد الذي كان الأكثر نجاحاً في دفع الحريات السياسية والمؤسسات الديمقراطية إلى الأمام.

هناك حاجة إلى برنامج يحمل أهداف التنمية والمساواة، لا التقشف، في المنطقة العربية


في وقت مبكر بُعيد الانتفاضات في تونس ومصر، كانت هناك إشارات إلى احتمال فشل الربيع في إطلاق العنان لعهد جديد من التقدم السياسي والاقتصادي. في ذلك الوقت في آذار، كتب المؤرخ سايمون سيباج مونتيفيوري في جريدة النيويورك تايمز تعليقاً على هذه الأحداث، قال فيه إن كل ثورة فريدة وإن النظام السياسي الصاعد في أعقاب الثورات غير مؤكد. وقال بالتحديد: "أدرك لينين أن السؤال النهائي في كل ثورة هو دائماً خيمياء السلطة أي: من الذي يسيطر على من. أو كما قالها لينين بإيجاز: "من لمن؟". وقد جاءت الإجابة على مونتيفيوري سريعة. في سوريا وليبيا واليمن، أدت الثورات إلى حروب أهلية. وفي مصر وتونس، استمرت الحكومات المتعاقبة في السياسات الاقتصادية القديمة ووقعت، للمفارقة، اتفاقيات جديدة مع صندوق النقد الدولي نصت على تدابير التقشف مثل الحد من الأجور في القطاع العام ومن الإعانات الحكومية. وأصبحت هذه الاتفاقيات عاملاً مزعزعاً للاستقرار. فليس من قبيل المصادفة أنه في عشية الاحتجاجات الحالية، أخبر صندوق النقد الدولي الحكومة التونسية باتخاذ "إجراءات عاجلة" و"تدابير حاسمة" لخفض
عجز ميزانيتها، فنزل المتظاهرون إلى الشوارع يعربون عن معارضتهم لارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب على الاستهلاك المنصوص عليها في ميزانية 2018.
كانت ملامح هذا الاقتصاد السياسي الجديد واضحة بالفعل في الأيام الأولى، أي في الوقت الذي كان مونتيفيوري يكتب حول الاحتمالات المستقبلية لهذه الانتفاضات. والتجربة المصرية غنية في هذا الإطار. في الأيام الأخيرة للثورة المصرية، كان دور النقابات العمالية والطبقة العاملة حاسماً في توجيه الضربة الأخيرة لنظام مبارك. ومع ذلك، سرعان ما قام المجلس العسكري الحاكم الجديد بدق إسفين بين الإصلاحات السياسية وبين الإصلاحات الاقتصادية، عبر مواجهة المطالب العمالية المتعاظمة بزيادة الأجور، أولاً بالدعوة المباشرة إلى إنهاء الإضرابات العمالية ووقف الاحتجاجات وصولاً إلى قمعها، وثانياً عبر نص قوانين جديدة لتجريم هذه الأعمال والنشاطات النقابية. من الواضح أن السلطة الجديدة كانت ترى مبكراً أن مستقبل النظام السياسي الناشئ سيحدده من يربح ومن يخسر على الجبهة الاقتصادية. وهكذا كانت حربه الاستباقية للإجابة سريعاً، على تساؤل لينين عبر وضع ثقل السلطة السياسية الجديدة والإرث السياسي للقوات المسلحة المصرية إلى جانب القوى الاقتصادية القديمة ضد من كان يُمكن أن يشكل تجسيداً سياسياً لتطلعات المساواة والعدالة الاجتماعية، تلك التطلعات التي كانت لا تزال فتية في تلك الأيام الحاسمة الأولى للانتفاضات العربية.
السؤال اليوم هو: كيف سيكون المستقبل في المنطقة؟ وما هو التغيير الضروري في السياسات لمواجهة التحديات العديدة التي لم تحل منذ انتفاضات 2011؟ في تقرير صدر مؤخراً عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) هناك دعوة لإعادة النظر في السياسة المالية للمنطقة العربية. في إطار ما حصل في تونس، وهو مرجح أن يحصل لمرات عديدة في السنوات المقبلة، تستحق ثلاثة جوانب من التقرير اهتماماً خاصاً. أولاً، ابتعد التقرير عن "إجماع واشنطن" التقليدي والبائد على المستوى العالمي، والذي للمفارقة لا يزال يهيمن على الخطاب الاقتصادي في المنطقة. فعلى الرغم من تأكيد التقرير على الحاجة إلى خفض الديون العامة، إلا أنه يحذر من أن التخفيضات الكبيرة في النفقات العامة ستؤدي إلى انعكاسات اقتصادية خطيرة، إذ يقول إنها "يمكن أن تؤدي إلى انكماش اقتصادي ونمو متدنٍّ في خلق الوظائف، وإلى تقلص الخدمات الاجتماعية وشبكات الأمان، مما يزيد من فجوات التنمية". في سياق تجاوز "التقشف"، يجادل التقرير أيضاً بأن أحد الأهداف الرئيسية للسياسة المالية هو معالجة تحديات التنمية في المنطقة. كما يتناول التقرير معضلات تزايد العمالة غير النظامية، وهيمنة القطاعات المتدنية الإنتاجية، ونقص الطلب على العمالة الماهرة، ويعطي السياسة المالية دوراً بارزاً في معالجة هذه التحديات.

يتضمن تقرير للإسكوا دعوة لزيادة ضرائب الدخل التصاعدية في المنطقة العربية


ويتناول التقرير أيضاً، وإن بطريقة غير مباشرة وأقل منهجية، سؤالاً مهماً: "من أين تأتي الموارد من أجل التنمية؟"- وهي مسألة كانت مهمة في مناقشات التصنيع في الاتحاد السوفياتي- وما زالت ذات أهمية حالياً خصوصاً في الدول النامية كما في الدول الساعية لتغيير راديكالي في بناها الاقتصادية نحو التصنيع والقطاعات المنتجة والتكنولوجية. في هذا الإطار يتضمن التقرير دعوة لزيادة ضرائب الدخل التصاعدية بالإضافة إلى فرض الضرائب على رأس المال والثروة العقارية. وهذا امر حيوي في منطقة يسيطر عليها "الاقتصاد الريعي"، كما تسجل أعلى معدل لعدم المساواة في الدخل والثروة في العالم (انظر ملحق "رأس المال"-العدد الاول). وفي هذا الصدد ، تحتاج المنطقة العربية إلى ما لا يقل عن هذه الإصلاحات الضريبية وسياسات إعادة التوزيع، التي من شأنها أن تؤدي إلى نقل الموارد بشكل مكثف من الريع ونحو بناء اقتصادات منتجة وديناميكية.
أخيراً، ينص التقرير على أن السياسة المالية يجب أن تسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة بحلول عام 2030. كما أن السياسة المالية يجب أن تكون أساسية في سياق الحاجة إلى عقد اجتماعي جديد في المنطقة، حيث ينهار العقد الاجتماعي القديم مما يؤدي إلى خلق عدم الرضا الاجتماعي والاضطرابات السياسية والاجتماعية. في هذا الأطار، يجادل التقرير ضد زيادة الاعتماد في المنطقة على ضريبة القيمة المضافة والضرائب الاستهلاكية. وبالمناسبة إن هذه الزيادات كانت السبب الرئيسي في اندلاع الاحتجاجات في الشارع التونسي. ويضيف التقرير أن "الاقتصادات النشطة والمنتجة هي وحدها القادرة على دعم عقد اجتماعي جديد يوفر للجميع مجموعة كاملة من القدرات والفرص اللازمة للنمو".
إن الرسالة التي أطلقت من تونس في يناير الماضي كانت واضحة: هناك حاجة إلى برنامج يحمل أهداف التنمية والمساواة، لا التقشف، أكثر من أي وقت مضى في المنطقة العربية. وعلى الرغم من عدم تحقق أنظمة سياسية واقتصادية جديدة تلبي تطلعات الشباب والطبقات الوسطى والعاملة التي ثارت ضد الهياكل السياسية والاقتصادية المتعفنة آنذاك، إلا أنه من الواضح أن الماضي يموت ولكن الجديد لم يولد بعد. ومستقبل المنطقة يعتمد على ولادة الجديد هذا، حتى لا تمتد الحرائق المندلعة حالياً لتستهلك المنطقة العربية بكاملها.