التسوية التاريخية بين العمّال وأصحاب رؤوس الأموال، توّجت نضالاً طبقياً شاملاً رجّح كفّة ميزان القوى لصالح العمّال. وتعامل أرباب العمل مع هذه التسوية كخطوة تكتيكية للتصدّي للتطرّف المنتشر في الحركة النقابية القوية والمتنامية، وإخماده. اتّخذت هذه التسوية في النرويج طابعاً رسمياً من خلال أول اتفاقية بين الاتحاد النرويجي لنقابات العمّال واتحاد أرباب العمل في عام 1935. وشهد العام نفسه فوز حزب العمال النرويجي بالسلطة لأول مرة بدعم من حزب الفلاحين.

شكّلت هذه التسوية أساس العصر الذهبي للديمقراطية الاجتماعية. وكانت بالفعل تسوية حقيقية جعلت أصحاب العمل في النهاية يقدّمون عدداً من التنازلات لنقابات العمال والحركة العمالية، من بينها الموافقة على تدخّلات سياسية كبيرة في السوق. وبذلك تمّ إرساء الأساس لانطلاق عجلة تقدّم اجتماعي عظيم حققه العمّال، لتتشكّل دولة الرّفاه ويولد النموذج النرويجي أو النموذج النوردي.
منذ تأسيسه في عام 1935، برز حزب العمّال النرويجي كحزب العدالة الاجتماعية، واضعاً الاشتراكية نصب عينيه كهدف بعيد المدى. وإذا وضعنا جانباً الخلاف الدائم على اليسار حول استراتيجيا الديمقراطية وتكتيكاتها، فإنّ حزب العمّال برز فعلاً كحزب جماهيري للطبقة العاملة. غير أنّ التسوية الطبقية لم تسهم فقط في التقدّم الاجتماعي، بل أثبتت أيضاً أنّ لها تأثيرات غير متوقعة. فالدور المركزي لحزب العمّال في تطبيق التسوية أدّى إلى تحوّل في تنظيم الحزب وسياساته على حدّ سواء. وقاد ذلك إلى عدّة أمور، من بينها القضاء على نزعة التطرّف في الحزب عبر تبنّي أيديولوجيا تقوم على الشراكة الاجتماعية. باختصار، تحوّل الحزب من منظّمة جماهيرية للشريحة العاملة إلى "مدير" للتسوية الطبقية. وهنا بالذات تكمن جذور أزمة الديمقراطية الاجتماعية اليوم.

شراكة اجتماعية

يعتبر ما يعرف بالنموذج النرويجي المولود الحقيقي لأيديولوجيا الشراكة الاجتماعية. بالنسبة إلى أرباب العمال، شكّلت التسوية الطبقية خطوة تكتيكية لتقويض الحركة العمّالية القوية ذات المنحى الاشتراكي. ولكن بدت التسوية بالنسبة إلى الديمقراطية الاجتماعية كشكل أعلى من المنطق ــ شعور جماعي مبني على حقيقة أنّ "أرباب العمل أيضاً فهموا أن التعاون بدلاً من التسوية يصبّ في مصلحتهم" (كما يكرّر الديمقراطيون الاجتماعيون النرويجيون).

أي حزب يساري يحتاج إلى بدائل ورؤى وحلول أكثر راديكالية مختلفة عمّا لدى أحزاب الوسط أو اليمين


بناءً على هذه الأيديولوجيا، طوّرت الديمقراطية الاجتماعية لاحقاً فهماً شاملاً للمجتمع، حيث الاقتصاد (رأس المال) يمكن أن تحكمه التنظيمات السياسية والتدخّلات في السوق (الكينزيّة). بهذه الطريقة، يمكن إرساء رأسمالية منضبطة وخالية من الأزمات واجتثاث البطالة الجماعية والفقر والبؤس، كما في ثلاثينيات القرن الماضي. وتمّ تطويع الصراع الطبقي وتقليصه بطرق عديدة إلى منافسة جماعية مؤسّسية على غرار مفاوضات الاتفاق الجماعي التي تجري مرتين سنوياً.
وُضع هذا الفهم برمّته على المحك خلال الأزمات التي شهدتها الرأسمالية في سبعينيات القرن الماضي، من أزمة النفط إلى أزمة النقد إلى أزمة السلع... وأخيراً الأزمة الاقتصادية الشاملة، التي حلّت مكان فترة النمو الاقتصادي والاستقرار التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية. وما عادت تفلح السياسة الديمقراطية الاجتماعية للتدخل في السوق وتنظيمه. وفي موازاة ذلك ارتفع الركود والتضخّم والبطالة. وبالطّبع كانت هذه الأزمة بطرق عدّة متناقضة مع النظرية الاجتماعية والأيديولوجيا السائدة ضمن حزب العمال. وتناقضت مع هذه النظرية أيضاً ردود فعل أرباب العمل واليمين، إذ مهّد "المنطق الجماعي" الطريق لعدوان أكبر من أي وقت مضى ضد النقابات العمّالية ودولة الرفاه. وأصبحت النيوليبرالية ردّ أرباب العمل واليمين على الأزمة. وهذا العدوان فاجأ حزب العمال ذا المنحى التوافقي ولم يستطع الردّ بالمثل.

التحالف مع الشيطان

أصبح الإذعان للعدوان النيوليبرالي هو الرّد. وتدريجياً، تبنّت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأجندة النيوليبرالية أكثر فأكثر، وذلك عبر الخصخصة ورفع القيود عن السوق وإعادة هيكلة القطاع العام إلى نماذج تنظيمية وإدارية مستوحاة من الإدارة العامة الجديدة وموجّهة نحو السوق. أسهم ذلك أكثر في تعزيز النزعة النيوليبرالية ضمن حزب العمّال، كونه ضمّ كثراً من بيروقراطيي الدولة، الذين نفّذوا هذا التحوّل، وانتهى بهم المطاف كمديري شركات من أصحاب الرواتب المرتفعة. وبذلك تغيّر الأساس الاجتماعي للحزب، بشكل كان من الصعب جداً تحويل مساره أو إعادته إلى ما كان عليه.
ولكنّ الديمقراطية الاجتماعية ليست الوحيدة التي تعاني اليوم. فالقوّتان الرئيسيتان في المشهد السياسي الأوروبي ما بعد الحرب العالمية الثانية تواجهان مشاكل جمّة واضطراباً سياسياً كبيراً. ففي عدد من الدول الأوروبية الغربية، كان الصراع بين الديمقراطيين الاجتماعيين وما يعرف بالأحزاب المحافظة المسؤولة اجتماعياً، مهيمناً، وغالباً ما تبادلا المواقع. فالطرفان كانا مرتبطين بتسويات طبقية بأشكال مختلفة وسمت سياساتهما. ولكن تلك التسوية التاريخية انهارت اليوم وتنهار ببطء في الدول الإسكندنافية. لذلك فإننا لا نشهد فقط على أزمة الديمقراطية الاجتماعية، بل أيضاً على أزمة النموذج السياسي المبني على التسوية في أوروبا فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
في المرحلة الأولى من هذه الأزمة السياسية، برزت أحزاب يمين متطرف جديدة، مثل الجبهة الوطنية في فرنسا وما يعرف بأحزاب الحرية في النمسا وهولندا والحزب التقدمي في النرويج. وغياب أي سياسة بديلة من جانب الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية والجناح اليساري، يعني أنّ عليها أن تتحمّل جزءاً من المسؤولية عن هذا التطوّر. فهي لم يكن لديها أي سياسة للرد على الهجمات النيوليبرالية على المكاسب الاجتماعية، التي تحققت عبر دولة الرفاه.
غير أنّه في السنوات الأخيرة، رأينا أنّ بدائل سياسية جديدة بدأت تزدهر أيضاً على اليسار (سيريزا في اليونان وبوديموس في اسبانيا ومومينتوم في المملكة المتحدة وحركة السلطة للشعب في إيطاليا). هذه مبادرات حديثة العهد وغير كاملة يمكن أن تفشل (مثل سيريزا) أو تنجح، ولكن في جميع الحالات سوف تتطوّر أكثر مع النضالات والتجارب والانتصارات والخسارات.

غياب البدائل الحقيقية

لا توجد أدلّة كثيرة على أن حزب العمّال سيتمكّن من إجراء تحوّل ذاتي إلى ما نحتاجه، كقوة تحريرية في الوضع الراهن. فالأساس الاجتماعي للتجديد الجذري ضعيف جداً، فيما القيود التنظيمية شديدة. ومع ازدياد المشاكل الاجتماعية وارتفاع عدد الأشخاص الذين يشعرون بعدم الاستقرار والأمان إلى مستويات غير مسبوقة، سيحتاج أي حزب يساري إلى بدائل ورؤى وحلول أكثر راديكالية، تكون مختلفة عمّا لدى أحزاب الوسط أو اليمين.
وفي غياب البدائل الحقيقية، ما زال مرجّحاً أن تفوز أحزاب النظام الديمقراطي الاجتماعي الحالي في الانتخابات من دون تغيير أعمق. فالناخبون المحبطون ينتقلون من خيار سياسي إلى آخر حين يدركون أنّ الوعود الانتخابية يتمّ النكث بها. وهذا بالكاد سينعكس ارتياحاً لدى زعماء الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية المعاصرة والمثقلة بالأزمات. وبدأ عدد متزايد من العمّال، والشباب بشكل خاص، المطالبة بالمزيد من الحلول الجذرية.
وكما قال غرامشي في مقولته الشهيرة: "تتألّف الأزمة تحديداً من حقيقة أنّ القديم يموت والجديد غير قادر أن يولد. وفي هذه الفترة الفاصلة تظهر مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأعراض المرضية".

ترجمة: لمياء الساحلي بترخيص من www.socialeurope.eu

* مدير الحملة النرويجية من أجل دولة الرفاه، ومستشار الاتحاد النرويجي لموظّفي البلديات والموظفين العامين. يشغل أيضاً منصب رئيس مجموعة العمل حول التغيّر المناخي في الاتحاد الدولي لعمّال النقل.