تسعى الحكومة اللبنانيّة للعودة من "باريس – 4" بسلّة من القروض الجديدة. لا توجد تقديرات لقيمة ما ستحصل عليه، إلّا أن التوقعات تتراوح ما بين 3 و4 مليارات دولار من القروض الميسّرة، ستخصّص لتمويل عدد من المشاريع المختارة، من ضمن مشاريع المرحلتين الأولى والثانية من برنامج الاستثمارات العامة، المقدّرة بنحو 17.3 مليار دولار.

يشرح نديم المنلا، المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة أن "المشاريع التي يتضمّنها البرنامج الاستثماري ستموّل من ثلاثة مصادر رئيسية، تتوزّع بنسبة 40% (7 مليارات) لعقود الشراكة مع القطاع الخاصّ وهي المشاريع التي تؤمّن ربحية له. في مقابل، تأمين كلفة المشاريع الاجتماعية الباقية (10 مليارات)، التي لن تستقطب القطاع الخاص، من خلال الاقتراض، بنسبة 35% بموجب "برنامج تسهيلات التمويل المُيسّر" (GCFF) التابع للبنك الدولي، و25% عبر برنامج "آلية تسهيل الاستثمار في دول الجوار" (NIF) الخاص بالمفوضية الأوروبية".

1

مليار دولار هي قيمة المنح التي تتوقعها الحكومة من باريس-4، نصفها من الدول الخليجية، وذلك لتمويل صندوق GCFF


بمعنى آخر، يعمد البرنامج الاستثماري إلى توزيع كلفة المشاريع المالية بين القطاعين العام والخاص، على أن يتكفّل الأول بالمشاريع الإنمائية غير المدرّة لأرباح كبيرة، وتمويلها عبر الاقتراض، وتنفيذها من خلال شركات التعهدات والمقاولات الخاصة، في مقابل استحواذ القطاع الخاص على المشاريع التي تدرّ إيرادات وتعود عليه بأرباح يجنيها من المستهلكين، في سياق يساهم بزيادة إحلال رأس المال الخاص مكان الدولة، بذريعة سدّ النقص في الخدمات العامة، وإنشاء البنية التحتية وصيانتها وإدارتها وتشغيلها.

هناك مجموعة من الشروط التي تفرضها المؤسسات الدولية والرساميل الخاصة لتمويل هذه المشاريع والاستفادة من آليات البرامج المطروحة، بحسب المنلا. فما هي هذه البرامج وشروط الاستفادة منها؟

برنامج NIF أوNeighbourhood Investment Facility

هو صندوق ائتماني للاستثمار، أطلقه الاتحاد الأوروبي عام 2008 بوصفه أحد آليات "سياسة الجوار الأوروبي". يُغذى من ميزانية الاتحاد ومساهمات الدول الأعضاء فيه، يديره بنك الاستثمار الأوروبي، وتُستخدم أمواله لدعم فوائد القروض الممنوحة من المؤسسات المالية الأوروبية للدول التي تغطيها سياسة الجوار الأوروبي (لبنان من ضمنها)، وذلك بهدف تمويل الاستثمارات المختارة في البنية التحتية في قطاعات النقل والطاقة والبيئة والتنمية الاجتماعية، وتعزيز التنمية الاقتصادية عبر دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في هذه الدول، فضلاً عن دعم القروض الإقليمية والمتعدّدة الأطراف. تخضع آلية الاستفادة من دعم هذا الصندوق لشروط تضعها المفوضية الأوروبية، منها: اقتراض الحكومات المستفيدة من مؤسسات التمويل الأوروبية المعترف بها (أي بنك الاستثمار الأوروبي، البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، الوكالة الفرنسية للتنمية...). إضافة إلى توقيع اتفاقيات شراكة وتعاون مع الاتحاد الاوروبي، تنفيذ "إصلاحات" يتم الاتفاق عليها وفقاً لمتطلبات كل بلد، تهدف إلى تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحوار السياسي والأمني، تعزيز انخراط المجتمع المدني، دعم الشباب وخلق فرص العمل، وتعزيز العدل والتعليم، طبعاً بالاستناد إلى المضامين الفضفاضة التي تحملها هذه المفردات في قاموس الاتحاد الأوروبي ومصالحه.


في تقرير صادر عن محكمة المدققين الأوروبية التابعة للاتحاد الأوروبي، عام 2014، حول "فعالية قروض الاستثمار الممنوحة لدعم مشاريع في دول الجوار"، يشير المدققون إلى أن "هذه الآليات لم تحقق الفوائد المحتملة منها بسبب القصور في إدارتها من المفوضية، وفعالية رقابتها على تنفيذها"، ووجدت المحكمة التي تملك صلاحية التدقيق بمالية الاتحاد الأوروبي أن "نصف المشاريع المنفّذة فقط تم التثبت من حاجتها الفعليّة"، وأن "طلبات المنح تستند إلى معلومات غير كاملة، ولم تركّز على القيمة المضافة للمشاريع، وتأثيرها على التنمية المستدامة في دول الجوار".

برنامج GCFF أوGlobal Concessional Financing Facility

أطلقه البنك الدولي عام 2016 لتمويل المشاريع الإنمائية في الدول متوسطة الدخل، والتي تستضيف اللاجئين، عبر منحها قروضاً ميسرة. وهو عبارة عن شراكة بين مجموعة البنك الدولي والأمم المتحدة ومجموعة البنك الإسلامي للتنمية.
تقوم آلية الدعم على تغذية صندوق البرنامج الائتماني من مساهمات الدول المانحة، واستغلال كلّ دولار من هذه المساهمات لإقراض الدول المضيفة أربعة دولارات في المقابل، وفق قروض طويلة الأجل وبمعدل فائدة يتراوح بين 1 و1.5%، لاستعمالها في تنفيذ مشاريع البنية التحتية أو مشاريع تحدّدها الدول المانحة، تحت إشراف البنك الدولي. كما تشترط هذه الآلية تنفيذ ما تسميه "إصلاحات" في السياسات والبرامج التعليمية والرعاية الصحية، وخلق فرص عمل لتمكين اللاجئين، فضلاً عن توسيع شريحة مشاركة المجتمع المدني.
عقود الشراكة مع القطاع الخاص تشمل المشاريع التي تؤمّن ربحية له

حتى اليوم، الأردن ولبنان هما الدولتان الوحيدتان اللتان حصلتا على قروض هذا البرنامج، الذي يهدف إلى استقطاب منح بقيمة مليار دولار، خلال السنوات الخمس المقبلة، لتزويد البلدين بقروض تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار. استفاد لبنان من قرضين بموجب هذا البرنامج، الأول بقيمة 200 مليون دولار من البنك الدولي لتأهيل الطرقات وخلق فرص عمل قصيرة الأمد في تنفيذ أشغال المشاريع، 80% منها للسوريين، والقرض الثاني بقيمة 180 مليون دولار مموّل من البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية، يهدف إلى تأمين الرعاية الصحية للأسر اللبنانية والسورية الفقيرة، وتعزيز القدرات المادية للمستشفيات لتوفير علاج هذه الأسر وعمليات الولادة، فضلاً عن إعادة تأهيل 75 عيادة في المجتمعات الريفية والمهمشة.

عقود الشراكة مع القطاع الخاص

وهي عقود تعطي الشريك الخاص امتيازاً لاستغلال مورد عام أو إنتاج وبيع خدمة عامة لمدة تصل إلى 35 سنة، في مقابل تأمين التمويل اللازم لبناء المشروع وصيانته وإدارته والاستفادة من عائداته. خلال مؤتمر الاستثمار في البنية التحتية المنعقد في بيروت، عرضت المؤسسات التابعة للبنك الدولي آليات تمويل هذه المشاريع، والتي تشترط أن يؤمّن المستثمر 20-30% من تكلفة المشروع، في مقابل أن تقدم الدولة ضماناتها لجذب المستثمرين واستمرارية المشاريع. يقدم "البنك الدولي للإنشاء والتعمير" قروضاً بفوائد مخفّضة بكفالة الدولة وتوقّع عقود القروض بين 3 جهات تضمّه والمستثمر والدولة. تقدم مؤسسة التمويل الدولية قروضاً للقطاع الخاص بفوائد مخفضة، فيما توقع "هيئة ضمان الاستثمار المتعدد الأطراف" عقود تأمين لصالح المستثمر في حال تعثر المشروع لأسباب أمنية أو سياسية وغيرها.





بيار دوكان: هذه شروطنا



يشرح المبعوث الحكومة الفرنسية، بيار دوكان، لـ"الأخبار"، الشروط المفروضة على الدولة اللبنانيّة للاستفادة من التمويل الدولي، وذلك على هامش مؤتمر الاستثمار في البنية التحتية المنعقد في بيروت مطلع الشهر الحالي، وهي تنقسم بين "شروط تسبق "باريس-4"، وشروط أخرى يتوجّب تنفيذها بعد الانتخابات، وتتوزّع بين إصلاحات قطاعيّة وماليّة".
أبرز هذه الشروط "إقرار موازنة عام 2018 وتخفيض العجز عما كان عليه عام 2017، إقرار قانون المياه العالق في البرلمان منذ سنوات، لأن هناك أكثر من 170 مشروعاً متعلقاً بهذا القطاع من ضمن المشاريع المدرجة في برنامج الاستثمار، تعيين أعضاء الهيئات الناظمة في قطاعات الكهرباء والاتصالات والطيران المدني وتفعليها، زيادة اعتمادات المجلس الأعلى للخصخصة ورفع عتيده، إضافة إلى إقرار قوانين القروض التي تموّلها الوكالة الفرنسية للتنمية (من ضمنها قرض بقيمة 10 ملايين دولار لإضافة مبنى جديد إلى معهد CNAM)، وذلك قبل انعقاد المؤتمر في 6 نيسان المقبل". على أن يلحق ذلك سلسلة أخرى من الشروط من المفترض تنفيذها بعد المؤتمر وهي "خفض العجز في مؤسسة كهرباء لبنان، توليد الطاقة من خلال المعامل وعبر الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة، فضلاً عن بناء شبكة توزيع جديدة ورفع التعرفة بما يحدّ من الخسائر والعجز في الكهرباء. إضافة إلى تصحيح حسابات الميزانية عبر زيادة الإيرادات بمعدّل 5% لتصل إلى 25% من إجمالي الناتج المجلي، وخفض النفقات 5% لتصل إلى 25% من إجمالي الناتج المحلي".