سدّد المستهلكون مباشرة من جيوبهم نحو 61% من مجمل فاتورة استهلاك الكهرباء، أي أكثر من ملياري دولار، توزعت بين تسديد فواتير مؤسسة كهرباء لبنان والامتيازات (900 مليون دولار) والمولدات الخاصة (مليار و150 مليون دولار). أمّا بقية الفاتورة (39%)، البالغة نحو 1.3 مليار دولار، فسددته الخزينة العامة كدعم للأسعار، تنفيذاً لقرار اتخذته الحكومة بتثبيت التعرفة منذ عام 1994، عندما كان سعر برميل النفط دون 30 دولاراً.

يقدّر عدد المقيمين في لبنان حالياً بنحو 6 ملايين نسمة، بما في ذلك اللاجئون والعمّال الأجانب. أي إن متوسط حصة الفرد الواحد من مجمل الفاتورة الكهربائية يبلغ نحو 558 دولاراً في السنة. ويصل هذا المتوسط إلى 2233 دولاراً كمتوسط عام للأسرة الواحدة (4 أفراد في الأسرة). ولكن، بحسب إحصاءات مؤسسة كهرباء لبنان، يوجد نحو مليون و400 ألف وحدة سكنية وغير سكنية متصلة بشبكة الكهرباء عبر اشتراكات نظامية. ما يعني أن متوسط حصة الاشتراك الواحد من مجمل الفاتورة يبلغ نحو 2393 دولاراً سنوياً، أو ما يعادل 200 دولار في الشهر.
هذا المتوسط الشهري العام لفاتورة الاشتراك الواحد يقلّ قليلاً عن نصف الحد الأدنى للأجور (45%)، ويوازي المتوسط السنوي أكثر من 5 مرّات الحد الأدنى الشهري للأجور، ويوازي أيضاً ربع متوسط الأجور السنوي العام، الذي يقبع تحته معظم أصحاب الدخل المحدود.
لا يعبّر المتوسط العام بدقة عن الواقع الحقيقي، نظراً إلى حدة التفاوتات في توزيع الدخل والاستهلاك بين المقيمين، ونظراً إلى أن جزءاً مهماً من هذه الفاتورة يجري تسديده عبر الدولة بالضرائب والدين، وكذلك نظراً إلى أن 18% من مجمل الكهرباء الموزّعة عبر مؤسسة كهرباء لبنان ليست مفوترة، أي يتم استهلاكها مجاناً بطريقة غير نظامية، بالإضافة إلى أن جزءاً من فواتير الكهرباء لا تتم جبايته.
ولكن، هذا المتوسط يبقى ذا دلالة إحصائية مهمّة، فهو مرتفع بكل المقاييس، ويؤشّر بشكل كافٍ إلى أن فاتورة الكهرباء في لبنان باهظة، ولا يقوى الكثير من الأسر على تحمّلها، وكذلك الكثير من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لولا دعم الأسعار مباشرة من الخزينة العامة وتوزيع كميات لا بأس بها من الكهرباء المنتجة مجاناً.
بحسب تقرير رئيس الجمهورية، بلغ متوسط الطلب على الكهرباء في العام الماضي نحو 3000 ميغاواط. جرى تغطية ثلثي هذا الطلب عبر مؤسسة كهرباء لبنان (2000 ميغاواط)، بكلفة بلغت 2.2 مليار دولار. في حين جرت تغطية الثلث المتبقي (1000 ميغاواط) عبر المولدات الخاصة.
في حال تجاوز خريطة التوزيع غير العادلة بين الفئات الاجتماعية والمناطق، يكون كل مشترك قد سدد أكثر من 821 دولاراً سنوياً (68 دولاراً في الشهر) إلى المولدات الخاصة، للاستعاضة عن "كهرباء الدولة". ويكون قد سدد أيضاً نحو 643 دولاراً سنوياً (53 دولاراً في الشهر) لمؤسسة الكهرباء والامتيازات. وتكون الدولة قد سددت عنه عبر الموازنة أكثر من 928 دولاراً في السنة (77 دولاراً في الشهر)، وهو يوازي 39% وسطياً من مجمل فاتورة استهلاك كل مشترك.
تشير التقديرات (غير الموثّقة) إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع الاشتراكات لدى مؤسسة الكهرباء تبلغ حصّتها من الاستهلاك 50%، في حين أن ربع الاشتراكات يستهلك نصف الطاقة الموزّعة. ما يعني أن دعم الأسعار يلعب دوراً في عملية إعادة توزيع الدخل، إلا أن أصحاب الدخل الأعلى يستفيدون منه أكثر من أصحاب الدخل الأدنى.
تكشف هذه التقديرات أن 350 ألف اشتراك حصل على دعم من الدولة بقيمة 650 مليون دولار في السنة، أي بمعدّل 1857 دولاراً وسطياً للاشتراك الواحد، وهو يوازي 4 مرات الحد الأدنى الشهري للاجور، ومعظم هذه الفئة تقع في خانة الاشتراكات المستثناة من برامج التقنين القاسية، أو تحظى بساعات تغذية كهربائية أكثر من غيرها. في المقابل، لم يحصل مليون و50 ألف مشترك إلا على دعم بقيمة 619 دولاراً وسطياً في السنة، أي أقل من مرّة ونصف الحد الأدنى للأجور، ومعظم هؤلاء من الفقراء والعاملين بأجر.
يتوقع تقرير رئيس الجمهورية أن يرتفع الطلب على الكهرباء في ساعات الذروة خلال شهر آب المقبل إلى 3450 ميغاواط، أي إن الفاتورة سترتفع 13% على أقل تقدير، إذا بقيت أسعار النفط على حالها طبعاً. في حين أن الطاقة المتاحة للتوزيع عبر مؤسسة كهرباء لبنان ستبقى بحدود 2000 ميغاواط، ما يعني أن العجز، في حال عدم الاستثمار في الإنتاج، سيبلغ 1450 ميغاواط (42%)، وهو ما يعادل 10 ساعات تقنين في اليوم، يتفاوت توزيعها بين المناطق والفئات الاجتماعية، وترتب كلفة تصل إلى مليار و589 مليون دولار للمولدات الخاصة. وبحسب مشروع موازنة عام 2018، ستقدّم الدولة دعماً مالياً هذه السنة بقيمة 1.4 مليار دولار، وهو سيتوزّع بطريقة غير عادلة، كما هو واضح أعلاه. في حين أن أزمة الكهرباء ستزداد عمقاً ورسوخاً، نتيجة اقتصار تدخّل الدولة حتى الآن على دعم الأسعار من دون الاستثمار في تأمين الحاجات الاستهلاكية (ما عدا بعض المشاريع القليلة أخيراً).
هذه هي أزمة الكهرباء في لبنان، التي باتت عالقة على رسوخ المصالح الخاصة الضيقة. وليست صفقة البواخر إلا الوجه الظاهر منها الآن.