رمى النائب أنطوان زهرا، أمس، قنبلة انتخابيّة مِن مجلس النوّاب. رماها، لكنها لم تنفجر بعد. ستنفجر قريباً على الأرجح. بالتأكيد، لن يعترض النائب القوّاتي على هذه الاستعارات «الحربجيّة». المُهم، جاء في تصريحه: «أحذّر مِن الطعن في الانتخابات النيابيّة وإبطال نتائجها ما لم يتم تصحيح خطأ مادي يتعلّق باقتراع المغتربين». ما هو هذا الخطأ؟ يشرح زهرا: «تنص المادة 125 (مِن قانون الانتخاب الجديد) على أنّه «يُلغى كلّ نص آخر إلا في ما يختص بالانتخابات الفرعيّة والوفاة والاستقالة و(الانتخابات) الاختياريّة والبلديّة، فتُجرى وفقاً للقانون السابق». ولم يذكر الاستثناء تصويت المغتربين. وبالتالي، فإنّ دعوة المغتربين جرت على أساس قانون ملغى، وهذه الدعوة كأنّها لم تكن. هكذا، ببساطة! حسناً، ما الحلّ؟ يقول النائب: «أطلب مِن الحكومة أن تُبادر إلى الطلب مِن المجلس النيابي أن يجري تصحيح مادّة باعتماد القانون 25/2008 في ما يتعلّق باقتراع المغتربين».
يُمكن أن يُطعن في اقتراع المغتربين لكونه يجري بإجراءات غير قانونيّة


يُحيلنا زهرا، في اتصال معه، إلى قانون الانتخاب للتأكّد بأنفسنا مِمّا ذكره. قانون «وجعة الراس» يؤكّد، للأمانة، ما كشفه النائب. المسألة معقّدة لغير المختصّين. معقّدة لزهرا نفسه. لكن عموماً هو سؤال: وفق أيّ قانون سيقترع المغتربون (الذين يسميهم القانون غير المقيمين)؟ إن قلنا القانون الجديد، فهذا يعني أنّ الاقتراع يجب أن «يجري على أساس النظام النسبي ودائرة انتخابيّة واحدة» (وفق المادة 118) لا على أساس 15 دائرة. كذلك يجب أن تكون هناك مقاعد مُخصّصة في مجلس النوّاب لغير المقيمين، وعددها ستّة، وهذه «تُحدّد بالتساوي ما بين المسيحيين والمسلمين، موزّعين كالآتي: ماروني – أرثوذكسي – كاثوليكي – سُنّي – شيعي – درزي، وبالتساوي بين القارات الستّ» (وفق المادة 112). ما ذُكر وتفاصيل قانونيّة أخرى، كما يعلم القائمون على الاستحقاق اليوم، لن تشهدها الانتخابات المقبلة ولن يقترع وفقها المغتربون في نيسان المُقبل. رُبِطت كلّ تلك التفاصيل، أقلّه كما كان يقصد المُشرّعون، بالدورة الانتخابيّة اللاحقة (أي المتوقّعة عام 2022) حيث سيُصبح، لمرّة واحدة، عدد النواب 134 (بعد إضافة الستّة غير المقيمين) قبل أن يعود عددهم في الدورة التي تلي إلى 128 (المتوقّعة عام 2026). هكذا، عندما ذكر النائب زهرا قانون عام 2008 كان يُشير إلى نيّة المشرّعين، أي النواب، أن يكون اقتراع المغتربين وفق القانون القديم (هذه المرّة فقط)، ولكن سقط ذلك سهواً (سهواً؟) أثناء مناقشة القانون الجديد في مجلس النواب. حصل ذلك عند مناقشة نصّ المادة 125 تحديداً. المادّة الأخيرة، مِن القانون الجديد، هي التي تتحدّث عن أنّه «تُلغى جميع النصوص المخالفة لأحكام هذه القانون، لا سيّما القانون رقم 25 تاريخ 8 ــ 10 ــ 2008 (الذي ذكره زهرا)، باستثناء أحكام المواد المتعلّقة بالانتخابات النيابيّة الفرعيّة في ما يخص الحالات التي يُطبّق فيها نظام الانتخاب الأكثري والانتخابات البلديّة والاختياريّة». هنا كان يجب أن يُضاف عنوان «اقتراع غير المقيمين» أيضاً، ولكن هذا لم يحصل، وبالتالي لا يوجد، الآن، أيّ نص قانوني يُنظّم اقتراع غير المقيمين. ليست تفاصيل القانون الجديد هي المنوي العمل بها عند المغتربين، كذلك لا نصّ يُشير إلى أنّ القانون القديم (2008) هو المُعتمد، وبالتالي المسألة معلّقة في الهواء. هذه ورطة!
كيف حصل ذلك؟ كيف لم ينتبه النوّاب، ومِنهم زهرا، إلى هذه المسألة يوم مناقشة القانون؟ زهرا يُجيب: «أنا اعترضت يومها، ولكن وجدت أن لا أحد يُريد أن يسمع، فأقرّت المادة كما وردت. عموماً صيغ هذا القانون على عجل». لكن أنت الآن تفجّر قنبلة، لِمَ الآن؟ يضحك النائب، قائلاً: «المُهم أنّ ما أقوله هل هو صحيح أم غير صحيح؟ عموماً، يُمكن تعديل النصّ في جلسة لمجلس النواب، فتسير الأمور بشكل طبيعي». لكن هنا ثمّة مشكلة أخرى؛ فبعد قراءة نصّ قانون عام 2008 والمواد المتعلّقة باقتراع غير المقيمين، نجد شروطاً مختلفة للاقتراع عمّا جرى إبلاغه لغير المقيمين، الذين سجّلوا أسماءهم وسيقترعون الشهر المقبل وفق القانون الجديد. مِن تلك الشروط، أن اقتراع المغتربين، بحسب القانون الجديد، يجري قبل 15 يوماً على الأكثر مِن الموعد المعيّن للانتخابات في لبنان (بحسب المادة 118)، فيما نجد هذه المدّة، في قانون 2008، هي قبل 10 أيّام على الأكثر.

يقول زهرا إنّه لفت زملاءه إلى ذلك يوم مناقشة المادّة القانونيّة ومع ذلك جرى إقرارها

كذلك، في القانون الجديد، الاقتراع يجري بواسطة «أوراق اقتراع مطبوعة سلفاً تعتمدها الوزارة وممهورة بخاتمها»، فيما نجد في القانون القديم أنّ الاقتراع يجري بواسطة «ظروف مصمّغة غير شفافة» (المادة 110)... وتقاس على ذلك تفاصيل أخرى.
يتفق القيادي السابق في التيّار الوطني الحر، أنطوان نصرالله، مع ما كشفه زهرا، ويُحيل إلى نصّ الأسباب الموجبة للقانون الجديد، حيث يرد في فقرة مِنها موضوع النوّاب الستّة لغير المقيمين (وهذا ما لن يُطبّق وفق الإجراءات التي يُسار بها حاليّاً).
هذه هي «الشربكة» هنا. إمّا أن يُعتمد القانون الجديد كلّه، في ما خصّ المغتربين، أو يُعتمد القانون القديم في هذه المسألة، علماً بأن الإجراءات المنوي تطبيقها تبدو كأنّها تدمج بين القانونين، وكلّ ذلك بلا نصّ يُشرعن ذلك. بهذه الخفّة تحصل هذه الأشياء في بلادنا. أحد الوزراء السابقين، مِن الذين عملوا على قوانين الانتخاب، رأى في إثارة هذه المسألة الآن «طريقة محتملة لاغتيال الانتخابات، علماً بأن اقتراع المغتربين هو حق دستوري، فوق القوانين، إنّما يبقى هناك عمل لتنظيم آلية هذا الاقتراع الذي يُمكن تحديده عبر مراسيم». بالمناسبة، ما هو رأي «هيئة الإشراف على الانتخابات» في هذه المسألة؟ رئيس هذه اللجنة قاضٍ عتيق ونائبه نقيب سابق للمحامين. مَن يقرأ القوانين أفضل مِنهما؟ هما مُعيّنان مِن السُلطة أيضاً؟ هذا صحيح. هذا ما يجنيه نوّاب هذه الأمة على هذه الأمّة، الحديث عن الأمّة اللبنانيّة العظيمة طبعاً، وهؤلاء هم الذين يُشرّعون، بصبيانيّة فاقعة، القوانين التي تنظّم حياة الناس! عموماً، هل ما حصل هو مجرّد خطأ تقني، أمّ أنّ هناك حبكة سياسيّة ما، مبيّتة، جرى تظهيرها اليوم لغاية في نفس «الله أعلم مين»؟ مَن له مصلحة في ألا يقترع المغتربون، على فرض ذلك، بل أين كان الحريصون على المغتربين يوم مناقشة القانون؟ هل يؤتمن هؤلاء على حياة شعب، مِن خلال التشريع، فيما هم على قدر مِن الخفة لا يستطيعون معها ملاحظة «فخاخ» قانونيّة... يفترض أنّها عندهم مِن البديهيّات؟