قبل اقتراح المشاريع حول المياه، يعتمد البنك الدولي دراسات يمهد بها الطريق لسياساته وتوصياته. وهي دراسات غالباً ما تتضمّن تضخيماً للأرقام والمخاوف عبر تعابير من قبيل «زيادة الطلب»، «الشح»، «تغير المناخ»، «نقص المياه» و«الجفاف»... لتخلص إلى ضرورة تغيير السياسات والقوانين وتحرير هذا المورد من قبضة الدول والشعوب والحكومات المتهمة بالعجز والإفلاس والفساد، بهدف تبرير مشاريع الخصخصة ووضع اليد على أكثر الموارد حيوية.


بين التحلية والسدود
فعلى سبيل المثال، في البلدان التي تمتلك المال وتعاني من شحّ المياه السطحية (كدول الخليج العربية)، يتم الترويج لمشاريع تحلية المياه. أما تلك التي تمتلك مصادر مياه متجددة ومتساقطات ومياهاً سطحية وجوفية، كلبنان مثلاً، فتُرفع في وجهها فزّاعة «زيادة الطلب» أو «الجفاف» و«الشح» وغيرها، لإقناعها بإنشاء السدود السطحية. وفي الحالتين، عندما تتورط هذه الدول في مشاريع كبرى، كتحلية المياه وإنشاء السدود، يصبح مبرراً إعادة تسعير المياه بحجة رد الأكلاف العالية في الاستثمار. هكذا يتم تبرير نقل المياه من حق من حقوق الإنسان يفترض بالدول وسياساتها تأمينه بأكلاف رمزية، إلى سلعة تجارية استثمارية مربحة لمن يستثمر فيها، وربما إلى «عملة نادرة»، بحسب تسمية مسؤولي البنك الدولي أنفسهم.

حصة الفرد ام حقوقه؟
إضافة إلى تعظيم ما يسمى توقعات ارتفاع الطلب وزيادة الجفاف، يتم اللجوء إلى المقارنة بين ما يفترض أن تكون عليه حصة الفرد مع بلدان كثيرة المتساقطات وكثيرة الاستهلاك كالولايات المتحدة ــــ التي تعتبر نموذجاً سيئاً جداً لاستهلاك المياه ــــ وبين تلك التي تعاني شحّاً في هذا المورد. كالقول مثلا: «يبلغ معدل استهلاك الفرد للمياه في الولايات المتحدة 2800 متر مكعب سنوياً، أما في اليمن فلا يتجاوز 100 متر مكعب للشخص»، أو الاشارة الى أن متوسط حصة الفرد في المنطقة لا يتجاوز 1200 متر مكعب، أي أقل بحوالي ست مرات من المتوسط العالمي (7000 متر مكعب) ، والتأكيد ان معظم بلدان المنطقة لا يمكنها تلبية الطلب الحالي للماء بشكل مستدام. ومع نمو السكان وزيادة الطلب، فإن نصيب الفرد من وفرة المياه سينخفض إلى النصف بحلول عام 2050… كل ذلك، لتبرير اللجوء إلى مشاريع كبرى، ولاحقا تبرير زيادة التعرفة على المستهلك، تمهيدا لنزع الحق بالوصول إلى المورد، وتحويله إلى حصة على طريقة الأسهم في الشركات.

تعميم وتجاهل الخصوصيات
واللافت أن تقارير البنك الدولي الترويجية للسياسات الاستثمارية تركّز على شمولية الارقام مع تعمّد تجاهل الخصوصيات والايجابيات والتركيز على السلبيات. فتتحدث، مثلاً، عن المنطقة العربية، او ما تسميها «منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، بشكل عام، وتقارنها بدول أخرى. في هذه المنطقة، بحسب أرقام البنك الدولي، 6% من سكان الكوكب وأقل من 2% من الموارد المائية المتجددة، وتعتبر الأكثر جفافا في العالم. وهي تضم 12 بلداً من الأكثر ندرة في المياه: الجزائر والبحرين والكويت والأردن وليبيا وسلطنة عمان والأراضي الفلسطينية (بدل فلسطين) وقطر والسعودية وتونس والإمارات واليمن. قد يبدو للمتابع أن هذه الارقام تقارب الموضوعية، لا سيما انها تستثني بلداً كلبنان تكثر فيه المتساقطات،، وتتجدد فيه الدورة الايكولوجية والمائية كل سنة. الا ان الواقع غير ذلك تماماً. إذ أن البنك الدولي لا يستثني لبنان من التخويف من ندرة المياه ومن طرح المشاريع الاستثمارية.

التهويل الأعظم
أما التهويل الأعظم، فيأتي من دراسة على الموقع الالكتروني للبنك الدولي استغرق التحضير لها سبع سنوات وانتهت عام 2009، وفيها أن معدل فقدان احتياطي المياه العذبة في المنطقة يعادل، تقريباً، حجم البحر الميت بأكمله، ما يعني أن المنطقة تعاني من أعلى معدل فقدان للمياه العذبة على وجه الأرض! ولفتت الدراسة إلى أن بعض بلدان المنطقة (تحديدا ذات الدخل الأعلى في مجلس التعاون الخليجي) تسجّل أعلى معدلات استهلاك المياه للفرد في العالم، وتشهد أكبر الفجوات في إمدادات المياه المتجددة. فخلال السنوات الثلاثين الماضية، مثلاً، انخفض مستوى المياه الجوفية في الإمارات بمعدل متر واحد سنوياً. ما يعني أن هذا البلد سيستنفد موارده من المياه العذبة الطبيعية خلال 50 عاماً.
قد تكون هذه الارقام صحيحة. لكن المشكلة انه بدل تقديم النصائح بتغيير السياسات الإنمائية والاستهلاكية واتباع برامج لترشيد الاستهلاك وتوفير المياه الجوفية، يتم الترويج لتكنولوجيا تحلية مياه البحر!
وكما هو معلوم فإن أكثر من 75% من مياه البحر المحلاة في العالم موجودة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، 70% منها في بلدان مجلس التعاون الخليجي (السعودية والكويت وقطر والبحرين والإمارات وعمان) و6% في ليبيا والجزائر. وبات الاعتماد على تكنولوجيا تحلية المياه، تقنية لا مفر منها لتأمين المياه في هذه البلدان. وهي تقنية تستهلك الكثير من الطاقة وتتسبب بزيادة ملوحة المياه، مما قد يؤدي ــــ على المدى المتوسط ــــ الى تحويل مياه المنطقة إلى بحر ميت كبير!

ماذا عن السياحة؟
ولا تنفك تقارير البنك الدولي (والدراسات الرسمية المتأثرة به) عن الاشارة إلى الزراعة كأكبر مستهلك للموارد المائية (بين 75% و85%) في كثير من بلدان المنطقة، ولكن من دون تقديم توصيات ودراسات ومشاريع تساعد في اعتماد ممارسات زراعية أكثر كفاءة في استخدام المياه او في تشجيع العودة إلى الزراعات البعلية، مثلاً. ولا يتم، كذلك، التوظيف في حسن إدارة الموارد المائية المعتمدة على سياسات الري الرشيدة. ويجري التغاضي عن ضبط الاستخدامات في القطاع السياحي، المسكوت عن استهلاكه للمياه في المنطقة العربية عموماً، وفي لبنان خصوصاً. مع العلم ان ذروة الاستخدام في المرافق السياحية التي تستهلك الكثير من المياه (أحواض السباحة، ملاعب الغولف والرياضات المائية...) يتم صيفاً، في الفصل الذي يكون فيه الماء شحيحاً.
هكذا يؤخذ موضوع ارتفاع الطلب على المياه كمسلّمة لا يتم البحث في اسبابها. وبناء عليه، تُقدّم اقتراحات (وهذا ما يناقشه مجلس النواب اللبناني) باللجوء إلى مصادر غير تقليدية مثل تحلية المياه، أو معالجتها وإعادة استخدامها، أو اللجوء إلى المصادر الجوفية كالآبار الارتوازية... من دون دراسات تبين مسارب الهدر والسرقة، ومن دون قرارات تحارب الفساد، المسؤول الاول عن الهدر وقلة عدالة التوزيع.
ورغم التوقعات بأن يتسبب تغير المناخ في انخفاض معدلات هطول الأمطار بنسبة 200 في المئة وزيادة معدلات التبخر ما يزيد من ندرة المياه، لا يزال البنك الدولي يشجع على إنشاء السدود السطحية المعرضة للتبخر والتلوث، بدل تشجيع البحث عن كيفية تعزيز التخزين الجوفي للمياه، تماما كما تفعل الطبيعة نفسها.
ومع التوقعات، أيضاً، بأن يزداد وضع المياه إلحاحاً مع النمو السكاني، يروّج البنك الدولي دائماً لمتطلبات زيادة الطلب على المياه، بدل التركيز على سبل التوفير وضبط الهدر وعدالة التوزيع وترشيد الاستهلاك. ولا يربط في اي من دراساته بين السياسات المائية والسياسات السكانية، ولا يدعو إلى اعتماد الترشيد في القطاعات المستهلكة للمياه، في الزراعة كما في الصناعة والسياحة وانتاج الطاقة... ولعل الجوانب المتعلقة بالزيادة السكانية ــــ المسكوت عنها أيضاً ــــ التي تتسبب بضغوط شتى على الموارد عامة والمياه خاصة، تستحق دراسات وابحاثاً، بما يوفّر الكثير من الاستثمارات والمشاريع والقروض والديون على منطقتنا وأهلها.



«المياه عملة نادرة»!
في مقابلة مع شبكة «بي بي سي» البريطانية (نشرها موقع البنك الدولي في 21/3/2014)، أكّدت نائبة رئيس البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إنغر أندرسن «ان الخيارات محدودة جداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فحصة هذه المنطقة من الأمطار سنوياً لا تتعدى الـ 2%، وهي تملك 1.2% فقط من موارد المياه المتجددة في العالم، ما يجعل من الماء أحد الموارد الثمينة في المنطقة».
ما معنى ان تكون المياه مورداً ثميناً؟ وكيف يكون نادراً اذا كان متجدداً؟ صحيح ان النمو السكاني السريع والتحضّر يرفعان الطلب على هذا المورد، إلا أن ذلك لا يعني ان المياه تشحّ، ولا يبرر منطق التسليع. بل ينبغي أن يدفع الى تغيير السياسات السكانية وضبط زيادة الاستهلاك وليس زيادة الاستثمارات.
واللافت أن المسؤولة الدولية نفسها تشير إلى أن «بعض دول المنطقة يمكنها تحمّل كلفة بناء محطات لتحلية المياه»، ما يعني أن المشكلة يمكن أن تحل إذا وُجد المال والاستثمار في تقنية تحلية المياه رغم كلفتها المرتفعة وحاجتها الى الكثير من الطاقة وانعكاساتها البيئية السلبية.


احتكار المحاصيل الزراعية
يروّج البنك الدولي لمقولة «الحصول على غلة أكبر من كل قطرة ماء»، ويقدم «نصائحه» للدول المعنية بضرورة العناية باختيار المحاصيل الزراعية (التي تحتكر بذورها شركات كبرى).
ما هي المحاصيل التي يمكن الاستفادة منها بالشكل الأفضل، وذات القيمة الأعلى، والتي يمكن استغلالها أكثر من حيث الإنتاجية والتغذية؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، يحيل البنك الدولي الدول إلى طلب المزيد من «الأبحاث والتطوير». بكلمات أخرى، تشغيل مراكز الأبحاث الممولة من قبل الشركات المستثمرة في قطاع المياه أو في القطاع الزراعي. ففي منطقتنا، يشكّل المحصول الزراعي من الحبوب 56% من المعدل العالمي و25% مقارنة مع المحصول في أوروبا. لذا فإن الفرصة متاحة لشراء الاراضي او استئجارها من قبل شركات كبرى لزيادة الغلة الزراعية من خلال استغلال أفضل للأرض والمياه، أي من خلال تغيير المحاصيل، وربما إدخال البذور المعدلة جينياً، بحجة مقاومتها للآفات الزراعية ولتغير المناخ، واحتكار صناعة البذور والتحكم بالإنتاج وتسويقه، على حساب السيادة على الغذاء.


الترويج للسدود: بسري مثالاً؟


في 6/2/2017 نشر البنك الدولي مقالاً على موقعه الالكتروني تحت عنوان «توفير إمدادات المياه على مدار الساعة في بيروت: بين الحقيقة والخيال». المقال الترويجي أشار إلى زيادة الضغط على شبكة إمدادات المياه في بيروت الكبرى بسبب الكثافة السكانية وانخفاض معدلات تساقط الثلوج والأمطار. ولفت إلى أن بلدية بيروت نجحت في إصلاح التسربات وتحسين الامدادات. لكنه ربط توفير المياه لسكان العاصمة على مدار الساعة، بحلول سنة 2024، بإقامة سد جديد. ولفت الى «أن لبنان بلد صغير تحيط به جبال قريبة من سواحله. وأغلب مياهه العذبة مخزّنة في القمم الجليدية للجبال أو تحت الأرض، والباقي يتسرب عبر التصدعات والكهوف ليغذي آلاف الآبار التي تمد العاصمة بيروت وضواحيها بالمياه قبل أن يجري إلى البحر». ولأن هذه الفكرة الاخيرة تدين مشاريع حبس المياه السطحية خلف سدود مكشوفة تخالف الطبيعة الجيولوجية للبنان، ولأن الحقيقة العلمية تؤكد أن هذا البلد ينعم بمتساقطات سنوية تساهم في تغذية مياهه الجوفية، يلجأ البنك الدولي إلى ذريعة «تغيّر المناخ» الذي «أدى إلى تناقص كميات المياه المتاحة بشكل عام، لا سيما خلال شهور الصيف من أيار إلى أيلول». علماً ان حجة تغير المناخ وزيادة حرارة الأرض لا تستقيم مع مشاريع تخزين المياه فوق الأرض وتعريضها للتبخر (والتلوث) الذي ستزيد نسبته مع ارتفاع درجات حرارة الأرض كما هو متوقع!
المقال يشير الى أن «الطريقة الوحيدة لتأمين إمدادات المياه هي بزيادة تخزين المياه وتحسين إدارتها». وهذه مبالغة تبريرية اضافية، إذ ان الكثير من العلماء والخبراء يؤكدون وجود بدائل أقل كلفة من السدود السطحية كالتخزين الجوفي. علماً أن معدل المياه الجوفية يقدر بنحو 3 مليارات متر مكعب متجددة سنوياً في لبنان، فيما يقدر حجم المياه السطحية بـ 1.3 مليار متر مكعب سنوياً.


سد القرعون: العلاج المستحيل!


لا يموّل البنك الدولي سد بسري فقط، الذي سرعان ما سيصبح ملوثاً وبحاجة إلى تمويل لمعالجته، بل يمول ايضاً معالجة سد آخر من التلوث. فبسبب سوء الخيارات والإهمال على مر السنين، أصبحت أجزاء كبيرة من نهر الليطاني وبحيرة القرعون شديدة التلوّث وغير قابل للمعالجة. ولا شيء يمنع ان يلقى سد بسري (وغيره) المصير الأسود نفسه!
وقد أطلقت الحكومة اللبنانية عام 2016 مشروعاً، بتمويل من قرض من البنك الدولي قيمته 55 مليون دولار، للحد من تدفق المياه الملوثة إلى بحيرة القرعون. المشروع يشكّل خطوةً أولى تندرج ضمن برنامج أكبر تقدّر تكلفته بنحو 250 مليون دولار، وفقاً لما أوردته خطة عمل الحكومة لمكافحة التلوُّث في بحيرة القرعون. علماً أن التقديرات الاولية لكلفة معالجة التلوث خلف سد القرعون تقارب مليار دولار. مع تأكيدات العديد من الخبراء المحايدين ان كل هذه الأموال ستذهب هدراً لأن معالجة مشكلة التلوث مستحيل،ة إلا في حال توفر شرطين أساسيين: هدم السد لتعود المياه الى مجاريها، ووقف كل أنواع الملوثات من مصادرها... وهذا ما يبدو مستحيلا في ظل الإدارة الحالية.