لم تأتِ مُبادرة وزير الخارجية جبران باسيل تجاه المرأة اللبنانية، في عيد الأم، على قدر توقعات المحرومات من حقهن في منح جنسيتهن لأبنائهن. مشروع الوزير يعطي اللبنانية المتزوجة من غير لبناني الحق في منح جنسيتها لابنها، لكنه يستثني «دول الجوار»، أي الأزواج الفلسطينيين والسوريين. واللافت انه ساوى بين الرجال والنساء في الاستثناء الذي ينطبق أيضاً على الرجل اللبناني الذي يريد الزواج من لاجئة أو نازحة. باسيل برّر الاستثناء بالخشية من «التوطين» وتجنيس النازحين السوريين، فيما ترى جهات معنية بالملف أن المبادرة الذي تحمل عنوان المساواة بين النساء والرجال، إنما تميّز بين النساء اللبنانيات أنفسهن!

«المبادرة المهمة تجاه المرأة اللبنانية» التي جاءت في نص الدعوة الى مؤتمر صحافي لوزير الخارجية جبران باسيل، أمس، أثارت آمالاً لدى الجهات المعنية بمتابعة ملف حق المرأة اللبنانية في منح جنسيتها لأبنائها، فسارعت الى تلبية الدعوة. في قصر بسترس، أعلن باسيل «مبادرة للمُساواة بين اللبنانيين نساءً ورجالاً، انطلاقا من الدستور والاتفاقيات الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة»، مشيراً إلى نيته التقدّم بمشروع قانون لإعطاء المرأة اللبنانية الحقّ بمنح الجنسية لأبنائها إذا كانت متزوجة من غير لبناني «باستثناء دول الجوار». وهذا الإستثناء يعني، تحديداً، أزواج اللبنانيات من الفلسطينيين والسوريين بحُجّة أن «الدستور يحظر التوطين»، وأن «الدولة اللبنانية مُتمسّكة بحقّ العودة للفلسطينين وإعادة النازحين السوريين».
ونصّت المادة الرابعة من المشروع على أنه «منعًا للتوطين المحظر دستورًا وتمسكًا بحق العودة، يستثنى من الأحكام المنصوص عليها في المادتين 1 و5 من القرار رقم 15\1925، الشخص اللبناني الذي يقترن بشخص أجنبي دخل الى لبنان لاجئًا أو نازحًا، لا سيما من الدول المجاورة للبنان»، وهو ما يسري على الرجال والنساء!

«جنسيتي حقّ لي ولأسرتي»: إمعان في الانتقاص من حق المرأة في اختيار شريكها


المشروع الذي يحمل عنوان المُساواة وعدم التمييز بين الرجال والنساء، «يُميّز بين امرأة لبنانية وأخرى»، بحسب كريمة شبارو، مُنسّقة حملة «جنسيتي حقّ لي ولأسرتي»، لافتةً الى أن المُبادرة «تُمعن في الانتقاص من حق المرأة في اختيار شريكها أيا تكن جنسيّته».
واعتبرت شبارو أن الحديث عن حجج اللجوء الفلسطيني والنزوح السوري يوحي «وكأن أبناء اللبنانيات لاجئون ونازحون في بلد أُمهاتهم». ودعت إلى إبعاد هذا الملف عن البازار الانتخابي، وعدم دسّ ملف حق المرأة في «المعارك السياسية الشائكة» بين جهة يقودها التيار الوطني الحُرّ بشخص رئيسه الوزير باسيل، على خلفية التخويف من الخلل الديمغرافي لمصلحة المسلمين، وبين جهات سياسية إسلامية تتلقّف هذه المطالب المحقة مضفية عليها أبعاداً سياسية وطائفية (تقديم نائب «الجماعة الاسلامية» عماد الحوت مشروع قانون لتعديل قانون الجنسية بما يمنح المرأة الحق في منح جنسيتها لأبنائها وزوجها).
رئيسة المجلس النسائي اللبناني المحامية إقبال دوغان رأت أن مشروع القانون الذي اقترحه باسيل «ليس سيئا بالمُطلق، لكنه لا يراعي حقوق الكثير من الأمهات»، مُشيرة الى أن هذه المراعاة تتطلّب من مُقدّمي المشروع بذل المزيد من الجهود كي تنال الامهات اللبنانيات حقهن كاملاً. وسألت: «لماذا لم يفصل المشروع بين المتزوجات من سوريين قبل النزوح عام 2011 وأولئك اللواتي تزوجن بعده؟ وماذا عن أولئك اللواتي تزوجن من فلسطيني مرّ على وجود عائلته في لبنان أكثر من أربعة أجيال؟».
وتخوض الأُمهات اللبنانيات المُطالبات بحقهن في منح جنسيتهن لأبنائهن معارك عديدة لدرء «الغُربة» عن أبنائهن وضمان تمتّعهم بحياة كريمة، في وجه قانون الجنسية «الذكوري» الذي تنص مادته الأولى على أنه «يعدّ لبنانياً كل شخص مولود من أب لبناني» من دون إشارة الى الأم! سنوات من الاحتجاجات لن توصل هؤلاء الأمهات الى حقهن، رغم تمكنهن من تحقيق «إنجازات» صغيرة، كالنجاح في استصدار إقامات مجاملة لأبنائهن وأزواجهن لمدة ثلاث سنوات مجاناً.

مُفارقات في قانون الجنسية
مفارقات عدة يتضمّنها قانون الجنسية اللبناني الذي صدر أيام الإنتداب الفرنسي، ويحمل الرقم 15 تاريخ 19 كانون الثاني عام 1925. أبرزها إمكانية منح الجنسية اللبنانية لأي ابن «غير شرعي» (أي من يولد من علاقة غير رسمية وغير مُسجلة) ولد في الاراضي اللبنانية مجهول الوالدين، أو في حال تبيّن أن أحد الوالدين من الجنسية اللبنانية. ومن ضمن المخارج التي استند اليها البعض للحصول على الجنسية، لجوؤهم الى الزعم بأنهم أولاد غير شرعيين! ومن المُفارقات ايضاً، أنه في حال انتهت العلاقة بين الزوج اللبناني والمرأة الأجنبية التي تحصل على الجنسية اللبنانية، يحق للأجنبية منح الجنسية اللبنانية لأبنائها من غير الزوج اللبناني!