سأل رئيس وزراء المملكة المتحدة وينستون تشيرشل وزراءه بعد جولة من قصف الطائرات الألمانية المدمّر للعاصمة لندن، خلال الحرب العالمية الثانية: "هل ما زالت المحاكم تعمل؟». وعندما جاءه الجواب بأن القضاة يعملون بانتظام قال: "طالما أن القضاء والعدالة في البلد بخير، فكل البلد بخير»... والعكس صحيح.

العدالة في لبنان ليست بخير. واحتراماً للعقل والمنطق، لا يجوز استبعاد تبعية كل من تولى منصباً للجهة التي أوصلته إليه. فهل يمكن للقاضي في لبنان، مثلاً، أن يكون مستقلاً، وهو أسير المحاصصة الفئوية (الطائفية والمذهبية والسياسية، والمناطقية أحياناً) التي تشكّل أساس التوافق على التشكيلات القضائية؟
قد يبحث القيّمون على وزارة العدل وعلى الحكومة، ومن بينهم حقوقيون يتمتعون بكفاءات عالية في فنّ المحاججة القانونية والتحليل الفقهي، عن إجابات وافية ومرافعات بليغة أدبياً وغنية في الصياغة والمضمون، للدفاع عن شرعية القضاة المرهونة باستقلاليتهم، لكنهم سيعجزون حتماً عن التخلص من الإحراج. وقد يؤنب الضمير بعضهم ويمنعه من النوم إذا كان مقتنعاً فعلاً بأنه مؤتمنٌ على حسن سير العدالة في لبنان.
رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد، استغلّ أخيراً عدم تنبه وزير العدل سليم جريصاتي لرد فعل القضاة على طلبه تعميم كتاب صادر عن الوزارة، ليطرح وجوب تعديل المادة الخامسة من قانون تنظيم القضاء العدلي بحيث يصبح إعداد التشكيلات القضائية في نسختها الأخيرة من صلاحية مجلس القضاء حصراً "حتّى لو أبقى وزير العدل مشروع المرسوم لديه فترة شهر كامل».

لم ينتبه "حافظ أختام الدولة" الى أن أسلوبه بمخاطبة القضاة قد يعدّ تدخلاً في استقلالية سلطتهم


ربما لم ينتبه "حافظ أختام الدولة" (وزير العدل) الى أن أسلوبه في مخاطبة القضاة قد يعدّ تدخلاً في استقلالية سلطتهم. ويبدو أن الفهد المتمرّد على النظام القائم أهمل، عن قصد، تعبير جريصاتي في نص كتابه عن "حرصه على ما ورد في خطاب القسم على أن تكون السلطة القضائية مستقلّة ومتمكّنة من وسائل استقلالها مهابة وموضع ثقة لدى المتظلمين». ربما لأنه حسبه مقتصراً على المعنى النظري ولا يمت لممارسات الوزير، منذ توليه حقيبة العدل، بصلة. لكن لا شك في أن نص كتاب ردّ رئيس مجلس القضاء الأعلى الموجه الى وزير العدل، والذي يستهدف السلطتين التنفيذية والتشريعية بأسلحة ثقيلة وتصويب دقيق، يصلح ليكون مادة تدرّس في كليات الحقوق ومعهد الدروس القضائية في لبنان.
وإذا كنا نمرّ بموسم بق البحص، فإن البحصات الست التي بقّها القاضي فهد يمكن أن تكون مثل حبات الفاصولياء في حكايات الأطفال، التي رمتها والدة جاك من النافذة ونبتت منها شجرة ضخمة في اليوم التالي. فهل يستفيق القضاة في اليوم التالي ويتسلقوا الشجرة الضخمة ليصلوا الى حيث السلطة القضائية المستقلة فعلياً، والقادرة بالتالي على إحقاق الحق بحد سيف العدالة السليط؟
القاضي فهد طلب في كتابه "تعديل رواتب القضاة باعتبارهم أصحاب سلطة وليسوا موظّفين بعدما جرت زيادة رواتب الموظّفين لتصبح أعلى من رواتب القضاة». إن القاضي مؤتمن على الحكم بالعدل بين الناس في قضايا قد تتناول مليارات الدولارات، فكيف لا يؤتمن على أموال الدولة؟ ألا تكفي وقاحة السلطة التنفيذية في تخصيص أسطول سيارات وجيش من المرافقين والخدم للوزراء والضباط، مقابل حرمان القضاة منها؟ ففي المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي مثلاً، تخصص سيارة للملازم وتزيد فخامتها مع تدرج رتبته، أما القضاة فعليهم تدبير انتقالهم بأنفسهم.
تناول فهد في كتابه أيضاً موضوع تقليص العطلة القضائية، "علماً بأنّ هناك نسبة كبيرة من القضاة لا تأخذ إجازة إدارية لمدّة خمسة عشر يوماً في السنة، وبعضهم يتحامل على مرضه وألمه ويأتي إلى مكتبه لمتابعة عمله وجلساته بشكل عادي خشية تفويت حقوق الناس، بينما هناك موظّفون في وزارات الدولة وإداراتها ومرافقها يتذرّعون بالرشْح الوهمي لعدم الحضور وتقديم معذرة طبّية وربّما من دون معذرة أيضاً».
وتابع الفهد تمرده من خلال هجوم مباشر شنه على السلطة السياسية، متهماً إياها بـ«مدّ يدها" على الأمن الصحّي للقضاة من خلال تقليص تقديمات صندوق تعاضدهم ومنها التقديمات الاجتماعية.
ووصلت صرخة الفهد المتمردة في كتابه الى وزير العدل الى أعلى نبرة لدى إشارته الى أن القضاة مستهدفون ليس فقط في ضماناتهم المالية، بل أيضاً في كرامتهم الشخصية.
هل يُعقل أن يُطلب من قاضٍ أن يحكم بالعدل بين الناس وهو يعاني من اعتداء على كرامته؟