لم يأتِ إعلان التحالف السياسي بين رئيس التيار الوطني الحرّ الوزير جبران باسيل، ورئيس الحزب الديموقراطي اللبناني الوزير طلال أرسلان، من عبث. تقول مصادر مقرّبة من أرسلان إن الاتفاق حيك على مدى الشهرين الماضيين بسريّة تامة، وبتفاصيل معمّقة، لتشكل الانتخابات النيابية محطّة من محطّات هذا التحالف. «الحلف»، إذا كان «جديّاً» وعميقاً، لا بدّ وأن يرسم صورةً عن التوازنات السياسيّة المقبلة في جبل لبنان. أمّا عناوينه العامة، فمثل تلك التي تدلي بها غالبية القوى السياسية في هذه الأيام: حفظ السلم الأهلي والمصالحة، مكافحة الفساد واستعادة دولة الرعاية. بالشكل، يشكّل أرسلان، في حال فوز مرشّحيه، كتلة له وحده، لكنّ نوابه يشاركون في اجتماعات تكتّل التغيير والإصلاح، على أن تعقد اجتماعات دورية بينه وبين باسيل تحت عنوان «لقاء أقطاب».

من الصعب عدم ربط التحالف بالعلاقة بين الرئيس ميشال عون والنائب وليد جنبلاط. إنّها أكثر من مسألة كيمياء مفقودة بين جنبلاط وعون، تلك التي وضعت الرجلين في حالة مواجهة سياسية طبيعية بشكل مستمرّ. وليد جنبلاط يمثّل استعادة الدروز نفوذهم المفقود منذ حرب 1860، والذي «قُرِّشَ» في اتفاق الطائف كنتيجة لانتصار عسكري للحزب التقدمي الاشتراكي في حرب الجبل (1983). وعون الجديد، رئيس الجمهورية، يمثّل استعادة نفوذ المارونية السياسية المفقود في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الأهلية، على حساب النفوذ الجنبلاطي الذي كان شريكاً أساسياً في تقاسم حصص التمثيل المسيحي في جبل لبنان الجنوبي بعد الطائف.
وفي التحالف الجديد بين أرسلان والتيار العوني، استعادة لتحالف قديم بين الأرسلانية والزعامات المارونية التقليدية. ففيما كان الراحل مجيد أرسلان يتحالف مع الرئيس فؤاد شهاب، ومن بعده الرئيس كميل شمعون، ومن ثمّ رئيس حزب الكتائب بيار الجميِّل، ومن بعده ابنه بشير الجميّل، التصق الراحل كمال جنبلاط بالزعيم المصري جمال عبد الناصر، ثمّ بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وباقي وجوه الحركة الوطنية ثم الجبهة الوطنية العريضة. مشهدية رئيس الجمهورية في إزاحة النصب التذكاري للأمير مجيد أرسلان في خلدة تلخّص المقبل.
ولعلّ فشل التحالف الانتخابي بين الحزب الاشتراكي والتيار الوطني الحرّ في الأسابيع الماضية، رغم سعي الرئيس سعد الحريري إلى ذلك، وتنازلات جنبلاط لأجل تحقيقه، يُؤكّد عزم عون على خوض المواجهة المؤجّلة مع جنبلاط، الآن، وبعد الانتخابات في الحكومة والحصص والنهج.
في عام 2009، كان التقارب بين أرسلان والعونيين يشبه ذلك الحاصل الآن. يومها أكد أرسلان عزمه على انضمامه ونوّابه إلى تكتل التغيير والإصلاح، ومثله فعل النائبان سليمان فرنجية وميشال المرّ والراحل إيلي سكاف. لكن الفكرة سرعان ما انتهت، وانتهى التحالف بين أرسلان وعون، بانضمام النائب فادي الأعور إلى كتلة التغيير والإصلاح، لكن متمرّداً على حزبه.

عرض جنبلاط على أرسلان ضمه وبو فاضل إلى اللائحة


وحدها ظروف جنبلاط مختلفة اليوم. إذ تشكّل الانتخابات النيابية المقبلة بالنسبة إلى جنبلاط تحدياً لتثبيت توريث تيمور جنبلاط، وإثبات قوّة الزعامة بحفاظها على عدد مرتفع من النّواب، على الرغم من القانون الانتخابي الجديد.
قبل 15 يوماً، زار أرسلان الرئيس نبيه برّي، وكرّر طلبه ترشيح درزي على لائحة حزب الله وحركة أمل في بيروت، بوجه مرشّح جنبلاط فيصل الصايغ. قال برّي إنه التزم مع جنبلاط، لكنّه سيسعى إلى إيجاد مخرج شكلي للمسألة ومساعدة أرسلان معنوياً. تواصل رئيس المجلس النيابي مع جنبلاط، وأقنعه بأن يتحالف مع أرسلان، وأن تضمّ لائحته أرسلان ومروان بو فاضل في عاليه عن المقعد الأرثوذكسي. وافق جنبلاط، مؤكّداً استعداده لإيجاد المخرج الشكلي لمسألة ترشيح الصايغ. ثمّ نقل النائب غازي العريضي الرسالة إلى أرسلان، الذي رهن موافقته على هذا الطرح بمعرفة مصير التحالف مع القوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ، على أن يعود العريضي بالجواب. مصادر أرسلان تقول إن العريضي اختفى، ومصادر مقرّبة من جنبلاط تقول إن جنبلاط لم يكن ليشكل لائحة من دون طرف مسيحي، لكن أرسلان تأخر ليسير بالعرض، واضطر الاشتراكي إلى إخراج اللائحة بشكلها الحالي. ليل الخميس الماضي، وُعد أرسلان من باسيل بسحب المرشّح إيلي حنّا لحساب بو فاضل. في اليوم التالي، أبلغ باسيل أرسلان بأن سحب حنّا صار صعباً. عاد أرسلان بعدها للبحث عن حلول، مع برّي مجدّداً، لكن الأوان قد فات وجنبلاط أنهى تشكيل اللائحة. وبقدرة «قادر»، اقتنع أرسلان بسحب بو فاضل، وتمّ الاتفاق النهائي.
التفاصيل السابقة، توحي وكأن التحالف ليس جديّاً، بل مصلحي انتخابي. البعض من حلفاء أرسلان في قوى 8 آذار، يقولون إن الحلف مرتبط بطموح «المير» للحصول على وزارة الدّفاع في الحكومة المقبلة. البعض الآخر يرى في التحالف دلالة جديّة عن الدولة المقبلة: توازنات جديدة لمرحلة جديدة، تستوجب تطويق رموز النظام القديم، وعلى رأسها جنبلاط، الذي من الممكن أن يستفيد ممّا حصل لشدّ عصبه، ولو أن باسيل حرص على نفي أن يكون التحالف موجّهاً ضد أحد.
أحد حلفاء أرسلان وباسيل يعلّق على التحالف بالقول: «هل ننسى أن باسيل، غداة تحالفه، أبرم تفاهمات متعددة مع أحزاب أقرب ما تكون إلى الخيار المدني، مثل الحزب الشيوعي اللبناني والتنظيم الشعبي الناصري، فماذا كانت النتيجة؟ باعهما عند أول مفترق طرق»!