لا ينزَع صلاح سلام عن كلماتِه هُدوءها. مهما جرّبت استفزازه بالأسئلة، لا تخرُج الأمور عنده عن طورها. يكظِم غيظَه في الغالب. إذا ارتأى رفع سقفه، راح يُفتّش عن إجابات لا أثر فيها للمُحارب الشرس. هذه الفئة التي يصنّف سلام في خانتها، تكرَه عادة المواجهة. يهرُب منها. يفضّل حلّها «بالتي هي أحسن». حين قيلَ إن ناشر صحيفة «اللواء» ورئيس تحريرها سيؤلّف لائحة تواجه لائحة الرئيس سعد الحريري في دائرة بيروت الثانية، تعامل البعض باستهزاء مع الأمر. هل هو جادّ؟ هل يفعَلها صلاح سلام. الحقيقة أن صلاح سلام فعلها أخيراً!

في مكتبه الذي انتقل اليه في محلة الظريف (الملا)، آتياً من رأس النبع في منتصف السبعينيات (بشكل مؤقت) هرباً من خطوط التماس، تشعُر بالشيء وعكسه. مقتنيات قديمة مرّت عليها عقود، لا تتناسب والهاتف الذكي الذي يُتقن استخدام تطبيقاته. «دقّة قديمة» لم تجِد حرجاً في مواكبة التطورات التكنولوجية. لكنه وجد نفسه يسبح عكس تيار سعد الحريري. يريد للوريث أن يكون على صورة والده رفيق الحريري ونقطة على السطر.
لم يحذُ سلام حذو فؤاد السنيورة، الذي اختار الانسحاب من ساحة لم يعُد لمِثله مكانٌ فيها. اختار سلام منحى آخر. الاثنان كانا في «خلية العشرين» التي انتفضت بوجه الحريري، رفضاً للتسوية التي أتت بميشال عون رئيساً للجمهورية، فدفع أعضاءها ثمن معارضتهم، تهميشاً أو إقصاءً.
لكن عندما يقرر شخص كسلام مبارزة الحريري انتخابياً في بيروت، فإلى ماذا يسنُد ظهره؟ لماذا لم يكتف بتحويل جريدته الى منبر معارض «ضد السلطة»، كما تشي بذلك صفحتها الأولى منذ أسابيع؟ ولماذا قرر أن يختم مسيرة إعلامية عمرها أكثر من ٤٠ عاماً بالغطس في وحل الانتخابات؟
الرجل الذي عايش التطورات الإقليمية الكبرى منذ نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات، وكاد يكون شهيداً مع حركة فتح في الأردن، حيث أصيب بجراح في غارة إسرائيلية خلال تغطية العمليات الفدائية في وادي الأردن، فضّل أن يجازف، أن يصبح فدائياً في هذه اللحظة، ولو أن نتائج عمليته الفدائية في العاصمة غير مضمونة.
يعرّف سلام عن نفسه بأنه من الأشخاص الذين حافظوا على ثوابتهم الوطنية، والتزموا القضايا العربية (لا سيما قضية فلسطين). إسلامياً، يطرح نفسه من أصحاب الخط المعتدل والانفتاح والحوار. يبدو من الأشخاص الذين يستصعبون التغيير، أو الانتقال من مرحلة الى أخرى. هو من الجيل الذي ما زال يعيش كما لو أنه في عهد رفيق الحريري. أقله في اللاوعي. كما لو أن الأخير ما زال على قيد الحياة. يرى أن الحقبة الحريرية (مرحلة الأب) حقبة ذهبية للبنان وبيروت. صحيح أنه كان يختلف معه عند بعض المفاصل، لكن رفيق الحريري «كان حريصاً على استيعاب الجميع». لا مآخذ على سعد بل على فريق عمله، لذلك، تصبح المقارنة بين فريقي عمل الأب وابنه ظالمة للحريري الأول.
يقول سلام إن الافتراق بدأ مع ترشيح العماد عون للرئاسة. زاد الطين بلة أداء الحكومة، ومن بعده ما يسميه سلسلة التضحيات التي لم يأخذ سعد الحريري شيئاً مقابلها. هذا الواقع «خلق حالة من الإحباط عند السنّة، وتحديداً البيروتيين». هذا الانقلاب في المزاج السنّي، على ذمة سلام، كان دافعاً لتشكيل اللائحة. هنا يشرح أكثر. فقد كنا أمام خيار من اثنين: إما الانكفاء وجعل البيارتة يستسلمون أمام الواقع الحالي، وإما القيام بخطوة تحرك الستاتيكو الذي كان موجوداً، وتشجّع الناس على اختيار من يمثل صوتهم الحقيقي.
ما يقوله رئيس التحرير هل ينطبق على مرحلة ما بعد احتجاز الحريري في الرياض؟ يجيب سلام بأن «العطف الكبير الذي حصل، للأسف، لم يُعمل على تنظيمه وتحويله الى تيار شعبي». بل على العكس، «استمرت الممارسات السابقة في إهمال الجمهور وعدم الحرص على تحصيل الحقوق».
يريد سلام أن يواجه سعد الحريري من دون أن يواجهه. أن يؤلف لائحة ولا تكون منافسة للائحة تيار المستقبل. هي فقط «لتصحيح مسار معيّن». فالحريري يجِب أن يكون في موقع لا ينازعه عليه أحد! لكن الخطاب السياسي الذي يتبنّاه يحوّله من زعيم طائفي إلى طرف في هذه الطائفة.
هل يقف السعوديون وراءك؟ يؤكد سلام أن المملكة لم تتدخل سلباً ولا إيجاباً في موضوع لائحته. النفي يكون أحياناً بمثابة تعبير عن جواب مضمر ليس وقت البوح به. أن لا تطلب السعودية من سلام الانسحاب من المعركة الانتخابية، يعني ذلك موافقة ضمنية على الترشح، ولينجح من ينجح!
سلام الذي يعتبر نفسه أنه يمثّل حالة اعتراضية، متفائل الى حدّ توقعه فوز لائحته بمقعدين أو ثلاثة. لكن ماذا في حال لم ينجح هو نفسه؟ في ١٤ شباط الماضي كتب سلام مقالاً عن رفيق الحريري بعنوان «دولة الرئيس ... سامحنا». قصد الرجل الاعتذار عن الحال التي وصل اليها البلد. في ٧ آيار المقبل، هل يكتب صلاح سلام لسعد الحريري ويقول له «دولة الرئيس.... سامحنا» في حال خالفت حسابات الحقل البيروتي حسابات بيدره.... وأتت لمصلحة رئيس الحكومة؟