مع الإقرار المرتقب لموازنة 2018 والحديث المتزايد عن إنجازات الحكومة المتعلقة بإنجاز هذه الموازنة، وفي ظل غياب أي سياسة تنموية من شأنها تخفيض العجز وتنشيط الاقتصاد، لا بد من إلقاء نظرة على إيرادات هذه الموازنة ونفقاتها، وبالتالي سياسة الدولة في ما خصّ هذه الإيرادات والنفقات.

يُقدّر العجز بحسب مشروع موازنة 2018 بحوالى 5 مليارات دولار (من دون الأخذ في الاعتبار عجز الكهرباء وأي نفقات اضافية)، إذ تبلغ نفقات الموازنة حوالى 17 مليار دولار في مقابل 12 مليار دولار هي الواردات المرتقبة.
تُمثل خدمة الدين العام 33% من إجمالي الإنفاق، أي ما يعادل 5.6 مليارات دولار، كما تستحوذ الرواتب والاجور ومعاشات التقاعد ونهاية الخدمة على حوالى 38% من إجمالي الإنفاق أو ما يعادل 6.4 مليارات دولار. واذا ما اضفنا تغطية عجز الكهرباء البالغة 1.5 مليار دولار، فإن هذه العناصر الثلاثة تمثل مجتمعة أكثر من 80% من مجمل نفقات موازنة 2018.
تُؤمن الضرائب حوالى 75% من مجموع إيرادات موازنة 2018، وتشكل الضرائب غير المباشرة 70% من مجمل الايرادات الضرائبية، أي ما يعادل 6.3 مليارات دولار تُدفع من قبل أصحاب الدخل المحدود والأسر الفقيرة والمتوسطة الدخل. وعليه، فإن كل ما يدفعه اللبنانيون من ضرائب غير مباشرة يذهب لخدمة الدين العام على شكل فوائد تدفع الدولة معظمها للمصارف اللبنانية.
تعتمد الدولة في لبنان لتأمين وارداتها على إجراءات ضرائبية غير عادلة، تؤدي الى تحميل ذوي الدخل المحدود القسم الأكبر من الضرائب، في مقابل ضمان ازدياد ثروات الاغنياء وأفراد الطبقة السياسية الحاكمة. يبدو هذا واضحاً في ارتفاع الضرائب غير المباشرة، كالضريبة على القيمة المضافة وتعدد وارتفاع الرسوم والعائدات الضريبية في مقابل انخفاض الضريبة المباشرة على الدخل وأرباح الشركات التي تمثل في أحسن الاحوال ثلث مجمل الايرادات الضرائبية.
لا تكتفي الدولة بأكثر من 3 مليارات دولار ناتجة من الضريبة على القيمة المضافة، بل تفرض العديد من الرسوم التي تُثقل كاهل الطبقة الفقيرة والمتوسطة كرسوم كتّاب العدل ورسوم الأمن العام ورسوم السير والميكانيك والرسوم القضائية ورسم الطابع المالي وغيره، مع الاشارة الى ان بعض السلع الأساسية تخضع للضريبة على القيمة المضافة والرسوم في الوقت نفسه.
في المقلب الآخر، تدفع المصارف اللبنانية ما يقارب 8 مليارات دولار سنوياً على شكل فوائد للمودعين، وبالرغم من هذا الرقم الهائل من الارباح السهلة التي تذهب الى جيوب أصحاب رؤوس الأموال، لا تتخطى الضرائب التي تحصل عليها الدولة من عائدات هذه الفوائد 600 مليون دولار، إذ تبلغ الضريبة على الفوائد 7%، في حين يجب أن تكون هذه الضريبة تصاعدية لتصل الى حدود 35%، مع العلم بأن نسبة الفوائد التي تُدفع للمودعين في المصارف اللبنانية من الأعلى عالمياً (الفائدة على سندات الخزينة الاميركية هي 1.5 %)، وبالتالي تسهم الفوائد المرتفعة جداً وضرائبها الهزيلة بتراكم الثروة لدى الطبقة الأكثر غنى في لبنان.
بدورها، المصارف التي تحقق أرباحاً سنوية تفوق 3 مليارات دولار (من دون الاخذ في الاعتبار الهدايا المجانية التي يقدمها مصرف لبنان لهذه المصارف)، تخضع لضريبة على الارباح لا تتخطى 20%، أي ما يقارب 500 مليون دولار! فضلاً عن التهرب الضريبي الذي يقوم به العديد من المصارف عبر دفع مصاريف وهمية لشركات «الأوف شور» المُسجّلة خارج لبنان والمملوكة لأصحاب هذه المصارف الذين يقومون بدورهم باسترجاع هذه الاموال الى حساباتهم الشخصية، مستفيدين من قانون السرية المصرفية في لبنان.
من المُتوقع أن يتجاوز الدين العام، في نهاية عام 2018، الـ86 مليار دولار (60% بالليرة اللبنانية و40% بالعملات الأجنبية)، وتبلغ حصة المصارف اللبنانية من تمويل الدين العام بالليرة حوالى 38% في مقابل 48% لمصرف لبنان و14% للقطاع غير المصرفي، كما تموّل المصارف اللبنانية حوالى 50% من الدين العام المحرر بالعملات الاجنبية عبر احتفاظها بما يوازي 14 مليار دولار من سندات اليوروبوندز، ليصل إجمالي حصة المصارف اللبنانية من تمويل الدين العام إلى ما يقارب 34 مليار دولار، بفائدة تتخطى 7%.
لا يُعتبر إقرار موازنة 2018 إنجازاً بأي حال من الاحوال، بل يمثل استمراراً لفشل سياسات الدولة المالية والاقتصادية والضرائبية، واستمراراً لسياسة تمويل الهدر والفساد عبر ضرائب تطال الفقراء بشكل خاص عوض البحث عن إيرادات من خلال زيادة ضريبة الدخل والضرائب على الفوائد وأرباح المصارف والشركات الكبرى، وإعادة جدولة الدين العام بنسب فوائد أقل، وإلغاء الإعفاءات الجمركية والإعفاءات الضريبية على الاملاك البحرية وأرباح العقارات وإعادة النظر في الإعفاءات المعطاة للمستشفيات والمدارس على أساس أنها مؤسسات غير ربحية!
أجمعت النظريات الاجتماعية والاقتصادية على حق الدولة في فرض ضرائب على مواطنيها، لكن مقابل منفعة تقدمها لهم. إلا في لبنان، حيث تقوم الدولة بإثقال كاهل المواطنين بضرائب غير عادلة، من دون توفير الحد الأدنى من الخدمات، كالكهرباء والماء والطبابة والتعليم والطرقات وضمان الشيخوخة والأمن والسلامة والمرافق العامة وغيرها. وبالتالي، في ظل عدم حصول دافعي الضرائب على منفعة مقابلة، تصبح عملية فرض الضرائب بمثابة سرقة تقوم بها الدولة لمواطنيها، لتقوم باستخدام عائدات الضرائب لتغطية فشلها في إدارة شؤون الدولة.
* أستاذ جامعي