نسمع عن الفساد، لكن ليس هناك فاسدون. كُلّها اتّهامات سياسية! يُنهَب المال العام، لكن ليس هناك سارقون! تلك هي الحال في بلاد الأرز. أطيافُ السياسة فيه مدّعو طهارة، ولتذهب أصابع الاتهام إلى الجحيم: «لن يُصدِّق جمهورنا ما يُقال عنّا». ذلك لسان حال الأفرقاء الذين يجدون التبرير دوماً في السياسة. أين القضاء إذاً؟ جوهر الأزمة في الدولة اللبنانية غياب المحاسبة. والمحاسبة هنا مُنوطة بالسلطة القضائية، غيرَ أنّ «حماة العدالة» أنفسهم كانوا دوماً بأمر السياسة. لذلك يتّهِم النواب القضاة بالضعف. يقول ممثِّلو الشعب إنَّ «ملفاتنا نحيلها على القضاء، لكن المحاسبة غائبة». هذا ما قاله النائب حسن فضل الله أول من أمس. وتُستحضر هنا عبارة لرئيس مجلس النواب نبيه برّي قد تكون الأكثر تعبيراً: «القضاء للضعفاء». للأسف هذه هي الحقيقة. ورغم عبارات من قبيل «القضاء الملاذ الأخير» و«القضاء عنوان الدولة» و«الكلمة الفصل للقضاء» «والركون للمؤسسات لقضائية»، إلا أنّ «البهدلة» للجسم القضائي باتت لازمة على ألسنة الشعب والسياسيين. يُلقى باللوم على الجسم القضائي ليكون وحيداً في موضع المساءلة العلنية دائماً. وهذا حق وواجب، طالما أنّ آلة القضاء في لبنان ليست في أسلم حالاتها. لكن أليس مستغرباً أن يُطالَب القضاء بأن يكون «سويسري بطّاش عادل»، بحسب تعبير أحد القضاة، «ولا يُطالب السياسيون برفع أيديهم عنه؟». هذا المرفق العدلي خاضع بأكمله لسلطة أهل السياسة. وخير شاهدٍ على ذلك عشرات الملفّات التي أناخ القضاء رأسه راضياً بتدخّل الساسة فيها.
كم ملفاً له علاقة بسرقة المال العام كُشِفت فيه هوية السارق؟ نتحدث عن الفساد ولا فاسدين. ودوماً المتّهم بريء حتى تثبت إدانته، لكن ليس هناك من يُدان، إلا إذا كان ضعيفاً. هكذا بات العُرف في بلادنا. أما «المسنود فلا يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منه». تلك مسلّمة بالنسبة إلى معظم اللبنانيين. ماذا عن ملفات التخابر والإنترنت غير الشرعي والـ«غوغل كاش»؟ من قَصَدَ القضاء ليدّعي بسرقة المال العام انتهى به الأمر مدّعىً عليه وملاحقاً؟
لقد أُحيل الملف الأخير، بضغط السياسة، إلى القاضي المنفرد الجزائي في جديدة، وليس إلى قاضي التحقيق. والفارق، لدى العالم بدهاليز العدالة، كبير. فلدى القاضي المنفرد يعني لا إمكانية للتوقيف، بينما أمام قاضي التحقيق، لمجرّد الظن يحصل التوقيف.
لقد أبقت التدخّلات السياسية بهيج أبو حمزة موقوفاً لثلاث سنوات. الأمر نفسه ينسحب على هنيبعل القذافي الذي لا يزال موقوفاً منذ أكثر من سنتين (أوقف في كانون الأول ٢٠١٥). لقد نقل قاضٍ ملف القذّافي من المحقق العدلي الناظر فيه، فتحرّكت الهيئة العامة لمحكمة التمييز لتصدر قراراً بإعادته إلى المحقق العدلي نفسه. وبغض النظر عمّن المخطئ أو المصيب، كان للسياسة اليد الطولى في هذه القضية. سُحِب الملف بضغط سياسي وأُعيد بضغط سياسي أكبر.
الأمثلة لا تنتهي هنا. لقد شُدِّد الحكم على ميشال سماحة. وبأمر السياسة، ضوعفت محكوميته ثلاث مرات. حُكِم على الوزير السابق بالسجن ١٣ سنة. صدر القرار عن قاضٍ تهيّب ضغط الساسة والشارع. فكيف يحكم قاضٍ بسجن سماحة أربع سنوات ونصف سنة، ثم يرفع قاضٍ آخر الحكم إلى ١٣ سنة؟ الجواب دائماً في السياسة. لا يختلف اثنان على أنّ سماحة ارتكب جرماً موصوفاً. لكنه مثال إضافي للتدليل على رضوخ «حُماة العدالة» لضغوط السياسة.
وفي السجن كما في الحرية؛ ففي قضية الضابط العميل، حدِّث بلا حرج. ضَغْطُ نواب التيار الوطني الحرّ خَفَّفَ الحكم على العميد فايز كرم، وباتت معها مقولة «القضاة موظّفون يتهيّبون الصوت المرفوع» حقيقة ثابتة. كذلك الأمر أُبقي زياد عيتاني موقوفاً أكثر من مئة يوم، لأن القاضي خشي وسائل الإعلام والرأي العام.
أول من أمس، اعتكَف القضاة في محكمة التمييز، بالتزامن مع انعقاد الجلسة النيابية لمناقشة الموازنة العامة في مجلس النواب، واستكملوا اعتكافهم قبل ظهر أمس أيضاً، بالتزامن مع انعقاد جلسة متابعة مناقشة الموازنة، ليخرج رئيس مجلس القضاء الأعلى في مؤتمرٍ صحافي يستعرض الحال السيّئة التي وصل إليها القضاة. وبعبارة «في حضرة قضاة لبنان الشرفاء المستمسكين بالصبر، القائمين بالمهام الجسام في ظروفٍ ولا أصعب» استهلّ كلمته، متحدثاً عن الغُبن والظُلم اللاحقين بـ«أهل العدالة». هكذا انقلبت الآية. حُماة العدالة يريدون رفع الصوت مطالبين بإنصافهم، فيما أهل السياسة يشربونهم من الكأس المرّة نفسها. الثابت الوحيد هنا، رغم ما تقدم، أنّ المرفق القضائي إذا ما قورن بباقي أجهزة الدولة ومؤسساتها، يبقى الأقل فساداً.



صرخة القضاة سُمِعت نيابياً
آتى اعتكاف القُضاة أُكُلهُ في مجلس النواب. فقد وافق مجلس النواب على إعطاء ٣ درجات للقضاة وأعاد العطلة القضائية إلى شهر ونصف شهر. كذلك مُرِّر صندوق التعاضد للقضاة بعدما كان قد أُنهي في لجنة المال والموازنة. هكذا انتهى النهار بعدما بدأ مع مؤتمر صحافي عَقَدَه رئيس «مجلس القضاء الأعلى» القاضي جان فهد للمرة الأولى، متحدّثاً عن واقع القضاء في لبنان. بدا فهد كمن يدق جرس الإنذار. عبارات الانكسار طغت على كلمته. برز ذلك مِن خلال انتقائه للعبارات من قبيل «اضطُرّ القاضي، دفاعاً عن العدالة وعن الكرامة»، إلى «القاضي مصاب في استقلاله وفي كرامته إلى درجة تجعله قلقاً غير قادرٍ على إحقاق الحق» و«أُجبر على الخروج عن موجب التحفّظ والترفّع». لقد عرض فهد واقع قصور العدل وظروف العمل القضائي. تحدّث عن حجم الإنتاج الذي يقوم به ٥٢٠ قاضياً، لكنه تحدّث عن هجرة من المرفق القضائي إلى مجالات عمل أُخرى. تحدث عن سحب الامتيازات من القضاة رويداً رويداً.
رأى فهد أنّ مكافحة الفساد في الإدارة ليست متوقفة على مبادرة من القضاء، إنما رماها في حضن «السادة النوّاب» الذين يُنتظر منهم إقرار تشريعات تُفسح للقاضي ملاحقة كل مسؤول فاسد، بعيداً عن الحصانات الموجودة. قال فهد إنه اختار الإطلالة إعلامياً لمناشدة السلطتين التنفيذية والتشريعية «إقرار القوانين التي تحفظ كرامة القاضي واستقلالَه، وتعيدُ بعضاً من الطمأنينة إلى نفوسهم»، معتبراً أنّه لا تجوز المقارنة بين القضاء وأي وظيفة عامة. كما سَحَب ما يُتداول عن التهديد بمقاطعة الانتخابات النيابية.