يتوجه زعيم تيار المستقبل سعد الحريري الى قرى العرقوب في الجنوب قريباً. الزيارة تقررت يوم تم الاتفاق على ألا يعلن الحريري اسم مرشح التيار عماد الخطيب عن المقعد السنّي في قضاء حاصبيا (الجنوب الثالثة) في احتفال إطلاق الترشيحات في البيال، وذلك إفساحاً في المجال أمام توسيع هوامش الخطيب الانتخابية.

لا يتذكر أهالي قرى العرقوب تاريخ آخر مشروع إنمائي كبير شهدته منطقتهم. لهم مع الحرمان حكاية مزمنة تعود الى ما قبل احتلال مزارع شبعا في عام 1967، وتمتد مع مرحلة اجتياح عام 1978، لتتحسّن أحوالهم نسبياً غداة التحرير في عام 2000، من دون أن يفي هذا التحسّن بالاحتياجات الكبيرة للمنطقة، خدماتياً وإنمائياً.
وكما عند كل استحقاق انتخابي، تعود هذه المنطقة إلى دائرة اهتمام السياسيين مع اختلاف ملحوظ هذه المرة، إذ قد يسمح القانون النسبي بتغيير القاعدة التي حكمت اختيار المقعد السنّي تاريخياً في دائرة الجنوب الثالثة، وتجعله محور منافسة في ظل تعدد اللوائح والمرشحين. وجود خمس لوائح انتخابية في مواجهة «لائحة الوفاء والامل» (حزب الله وأمل والقومي وأنور الخليل وقاسم هاشم) يضفي نكهة مميزة على هذه الدورة. للمرة الاولى يترشح وجه يمثل تيار مستقبل في مواجهة لائحة أمل حزب الله، في محاولة لترسيخ حيثية تمثيلية مباشرة من خلال المقعد السنّي، ما استدعى تدخلاً مباشراً من الحريري الذي سيتعرف على المنطقة عن قرب، في زيارة قريبة يشكّك أحد فاعليات العرقوب «في أن تنجح في شدّ العصب السنّي أو أن تأتي بأيّ نتائج، بسبب غياب رئيس الحكومة وتياره خدماتياً عن المنطقة طوال الفترة الماضية»، وهو قول يردّ عليه مقرّبون من النائبة بهية الحريري بالتأكيد أنها أعطت هذه المنطقة طوال ربع قرن ما لم يعطه أحد لها.
يتنافس على المقعد السنّي أربعة مرشحين، بينهم النائب الحالي قاسم هاشم، في مواجهة مرشح تيار المستقبل عماد الخطيب الذي شكل لائحة تضمّه الى مرشح التيار الوطني الحر عن المقعد الارثوذكسي ومجموعة من المستقلين، والعميد المتقاعد عماد الخطيب المرشح على لائحة أحمد الاسعد، والمرشح على لائحة الحزب الشيوعي اللبناني النقابي سعيد عيسى.
بعدما أقفلت أبواب «الثنائي» في وجه عماد الخطيب، وتبين له أن خيار قاسم هاشم نهائي ولا عودة عنه، حاول الخطيب استمالة الشيوعي من منطلق كونه مرشحاً مستقلاً، لكن سرعان ما فشلت محاولته. حاول البحث عن مرشحين شيعة وازنين، إلى أن وجد ضالته في المرشحين مصطفى بدر الدين وعباس شرف الدين اللذين كانا قد أعطيا «نعم» للحزب الشيوعي وقوى الخيار الديمقراطي، قبل أن يتراجعا ويحسما أمر انضمامهما إلى لائحة الخطيب.

تاريخ المقعد
للمقعد السنّي في العرقوب قصة خاصة. فقد ألغاه الرئيس كميل شمعون (1952) بموجب مرسوم اشتراعي قضى بخفض عدد النواب من 77 الى 44 نائباً، وأعاده الرئيس فؤاد شهاب (1960) عندما أعاد عدد نواب المجلس الى ما كان عليه. قبل عام 1960 وبعده، كانت الجغرافيا السياسية تحكم هذا المقعد القريب من سوريا والخاضع لغلبة أصوات شيعية، وأي مراجعة تاريخية لمسيرته تبيّن أن منطقة العرقوب خرّجت نواباً وليس زعماء محليين. ينتظر الطامحون السنّة من أبناء المنطقة «بوسطة» الزعيم أو «محدلة» الزعيم التي يمكن أن تقلهم إلى الندوة النيابية.
غالباً ما كان المرشح لهذا المقعد من حصة الرئيس أحمد الأسعد ومن ثم ابنه كامل. شغله المير خالد شهاب بفوزه على المرشح الناصري أحمد سويد (كفرحمام) بفارق ضئيل من الاصوات. وعلى مدى دورات انتخابية متتالية، بقي المقعد بعيد المنال عن اليساريين (ومرشحهم الدائم أحمد سويد) بفارق ضئيل من الاصوات مع مرشحي السلطة، علماً بأن هذه القوى «تعرضت للتهميش والتنكيل، لا سيما من قبل المكتب الثاني في عهد الرئيس فؤاد شهاب»، كما يقول أحد وجوه اليسار في المنطقة، ذاكراً أن المكتب الثاني أودع مئات المؤيدين للمرشح سويد السجن في انتخابات عام 1960 ولم يفرج عنهم إلا بعد إعلان النتائج وفوز مرشحه خالد شهاب.
يومها كان الناس يسمعون عن النائب ولم يكونوا على تماس معه، ما عدا قلة قليلة. ولذا، فحين اختار كامل الاسعد المرشح علي ماضي من بلدة شبعا على لائحته في مواجهة سهيل خالد شهاب، قال خالد شهاب لنجله «انسَ النيابة، لأن شعب الصين فاق»، في إشارة الى تنبّه أهل شبعا الى حقهم في المقعد النيابي بوصفها الأكبر بين قرى العرقوب، والتي صارت اليوم «بيضة القبان» في الانتخابات النيابية.

لطالما انتظر الطامحون من أبناء العرقوب «المحدلة» لتقلّ نائبهم إلى الندوة النيابية


فاز علي ماضي في انتخابات عام 1968، لكنه ما لبث أن انقلب على كامل الاسعد وصار محسوباً على المكتب الثاني. في الدورة التالية (1972)، تقدم أربعة مرشحين عن المقعد، وهم أسعد بيوض ومنيف الخطيب وعلي ماضي ومسلم غازي، ليقع الاختيار على الخطيب الذي كان والده وجيهاً معروفاً على مستوى المنطقة. ويروي أحد وجهاء المنطقة أن الاسعد اصطحب الخطيب ليعرّفه الى والدته التي كان يقف على رأيها في اختيار الاشخاص المقرّبين اليه، وحين «ارتاح قلبها» إلى شخصه رشّحه على لائحته!
انتخب الخطيب عام 1972، واستمرت نيابته حتى عام 1992 تاريغ انتهاء حقبة مجلس 1972، حيث مُني بالخسارة مقابل المرشح على لائحة الرئيس نبيه بري رئيس اتحاد الكتاب اللبنانيين أحمد سويد الذي انتخب لدورتين متتاليتين (1992 و1996).

الحقبة السورية
وفي انتخابات عام 2000، التي أعقبت التحرير مباشرة، فاز مرشح حزب البعث (لائحة بري وحزب الله) قاسم هاشم في مواجهة منيف الخطيب (نال 49 في المئة من أصوات السنّة). هاشم طبيب الاسنان، الذي درس الطب في سوريا والمقرّب من الامين العام المساعد لحزب البعث عبد الله الاحمر فاز بالمقعد في دورتي عامي 2005 و2009، رغم ارتفاع منسوب المذهبية في المنطقة ونيله في آخر انتخابات حوالى 25 % من أصوات ناخبي منطقته.
برأي الشبعاويين «كان بإمكان النائب قاسم هاشم أن يكون حضوره أقوى في شبعا ومحيطها». النائب في ذهن الأهالي هو من «يتابع مصالح الناس ويقف على احتياجات المنطقة». ولكن «على أرض الواقع، يقتصر دوره على تقديم التعازي، فيما الاتكال في الخدمات على رؤساء الكتل»، ومن هنا بات أملهم ضئيلاً في تحسّن أحوالهم الإنمائية، لأن المنافسة على المقعد السنّي اليوم على قاعدة «قوم لاقعد محلك».

إهمال مزمن
المنطقة التي يزيد عدد النازحين السوريين المقيمين فيها على عدد المقيمين اللبنانيين، تعاني حرماناً مزمناً، «فالطرق ضيقة ولا تتسع لمرور سيارتين في اتجاهين متعاكسين، والبناء عشوائي. تصوروا أن مخالفات البناء بلغت حدّ تشييدهم فوق النبع في شبعا»... «المصيبة الأكبر تكمن في القطاع الزراعي الذي تراجع العمل فيه، فضلاً عن قطاعي الصناعة والتجارة، بحيث يقتصر العمل فيهما على مشاريع فردية أقل من متواضعة، فيما دور البلديات محدود، لا سيما أن مجالسها تنتخب طبقاً لنظرية التوافق السياسي، من دون رؤية أو تصور لحل الكثير من المشاكل، من النفايات الى المياه والكهرباء وغيرها»، حسب أحد وجهاء شبعا.

حظوظ فوز ضعيفة
في العرقوب ومنطقة مرجعيون 28 ألف ناخب سنّي ينتخب منهم بحدود 14 ألفاً. يشكل الحاصل الانتخابي تحدياً أساسياً أمام جميع المتنافسين، ومن المتوقع ان يبلغ حوالى 25 ألف صوت إذا قاربت نسبة التصويت عتبة الـ60 في المئة. وفيما انتقل تحالف أمل وحزب الله الى مرحلة توزيع الصوت التفضيلي بين أعضاء اللائحة، والتركيز خصوصاً على المقعدين السنّي والأرثوذكسي، لا تزال اللوائح المقابلة تسعى لتأمين الحاصل الانتخابي. فشل اتفاق القوى المواجهة لتحالف الثنائي الأقوى يشكل نقطة ضعف ستنعكس تشتّتاً في أصوات الناخبين داخل صناديق الاقتراع. حقيقة يدركها تيار المستقبل الذي كان يمنّي نفسه بالاتفاق مع الحزب الشيوعي بوصفه الوحيد القادر على ترجيح كفة هذا أو ذاك من المنافسين الجديين للائحة التحالف الثنائي في الجنوب.
وتضم منطقة العرقوب قرى وبلدات: شبعا، وهي البلدة الأكبر من ناحية المساحة وعدد الناخبيين (12000 ناخب تقريباً اقترع منهم نحو 5 آلاف في الانتخابات النيابية عام 2009)، كفرشوبا، الهبارية، كفرحمام، الوزاني وحلتا. كذلك يوجد ناخبون سنّة في عدد من قرى الدائرة، وأبرزهم في مدينة مرجعيون.