قبل أيّام من انطلاق «ثلاثية» إعلان اللوائح الانتخابية في الشمال الأولى وبيروت الثانية والشمال الثانية، كان الوزير السابق أشرف ريفي واثقاً من نفسه وهو يقول مُبتسماً: «... سوف تَرون استنهاض الجماهير». وعد بأنّه «بعد إعلان اللوائح، سنُفعّل العمل الانتخابي، بالتزامن مع وضع برنامج عملي للدوائر الثلاث»، متوقعاً أن تنال لائحته في دائرة الشمال الثانية (طرابلس ــ المنية ــ الضنية) «حاصِلَين، وأُنافس للحصول على الثالث». بدا حديث اللواء المتقاعد بعيداً عن الواقع، ولا سيّما أنّه اعترف في الوقت نفسه بوجود ضغوط أمنية تُمارس على المحسوبين عليه، وانقطاع التمويل، وتجميد العلاقة بينه وبين «راعيته» السعودية. مجموعة عوامل كانت تشي بأنّ «ظاهرة» ريفي إلى انحسار نسبي. وبدأ الحديث في الأوساط السياسية المُعارضة له، عن أنّه إذا استمرت حالة الوزير السابق في الانحدار بهذه السرعة، هناك احتمالٌ كبير بأن لا يتمكن من الوصول إلى الحاصل الانتخابي. ولكن، وُجِد مِن خصومه الطرابلسيين مَن يسأل: «هل فعلاً وضع ريفي سيئ، أم لا يزال بإمكانه استنهاض جمهوره؟ هل يؤدي دور الضحية، ويتركنا (خصومه) نعتقد أنّه فعلاً مُحاصر، قبل أن يُفجّر مفاجأة في الانتخابات النيابية شبيهة بتلك التي حصلت في الانتخابات البلدية الأخيرة؟».
المنشقون عن ريفي يتواصلون معه، مؤكدين أنّهم سيقبضون المال من «المستقبل» لينتخبوه


زاد من «سوداوية» الصورة، آخر استطلاع للرأي قام به مركز ​بيروت​ للأبحاث والمعلومات، وانتهى العمل عليه الخميس الماضي. النتيجة كانت أنّ ريفي «يُنافس في طرابلس ــ المنية ــ الضنية لنيل الحاصل، ولا يظهر أنّه قادر على بلوغ الحاصل في الدوائر الأخرى»، بحسب مدير «المركز» عبدو سعد. في حين أنّه قبل ثلاثة أشهر، «قمت باستطلاع، حلّ ريفي بنتيجته ثانياً بعد (رئيس الحكومة السابق) نجيب ميقاتي». التراجع مردّه إلى «عودة (رئيس الحكومة) سعد الحريري واستعادته جزءاً من عافيته الانتخابية، ولا سيّما أنّ جمهور ريفي في الأساس هو من جوّ تيار المستقبل» يقول سعد. كما أنّه لم يعد، برأي عبدو سعد، الخطاب السياسي لريفي، «كافياً من أجل استمالة الناخبين... ريفي قنبلة صوتية».
الوضع مُشابه لفترة الانتخابات البلدية سنة 2016: الجميع مُستخفّ بإمكانات ريفي، فيما هو وحده يثق بقدراته. إلى أن أتت الاحتفالات الشعبية في الأيام الثلاثة الماضية، لتؤكد، أقلّه في الشكل، صوابية كلام اللواء المتقاعد.
«مش مزحة قصّة عكار السبت، وخصوصاً في ببنين أسامة الرفاعي ومصطفى هاشم وخالد الضاهر»، يقول أحد مسؤولي الماكينات الانتخابية المُنافسة لريفي. الحشد خلال إعلان لائحة لبنان السيادة في الشمال الأولى (تضمّ: أحمد جوهر، إيلي سعد، بدر اسماعيل، زياد بيطار، إبراهيم مرعب، جوزيف وهبي ومحمد رستم)، لم يكن متوقعاً، «وشكّل إرباكاً لتيار المستقبل، الذي راح يُروّج بأنّ ريفي دفع المال للناس حتى تُشارك». أما أحد المسؤولين لدى ريفي فيؤكد دفع المال، «شو المسؤولين بالمستقبل ما بيدفعوا؟». ماذا عن الأزمة المادية؟ «ما دُفع هو جزء من الحملة الانتخابية، التي يُمولها المُرشحون».
من كلّ عكار، أتى المؤيدون ليُشاركوا في مهرجان ريفي، ما أدّى إلى احتجاز الناس لساعاتٍ في سياراتهم. صحيح أنّ المشاركة الشعبية الكثيفة «لا تعني بالضرورة أصواتاً انتخابية، لكنّها تُعطي انطباعاً بأنّ الرجل قوي ولديه قدرات تجييرية، وقد يتأثّر البعض بما حصل». أما الخطاب الانتخابي، «فهو نفسه خطاب تيار المستقبل، الذي ملّ الرأي العام منه» على حد تعبير أحد خصوم اللواء المتقاعد.
وماذا عن الضغوط التي تقوم بها الأجهزة الأمنية؟ لماذا لم تُحاول منع المُشاركين في عكار؟ «لأنّ الناس بدأوا يقومون بردّة فعل عكسية تجاه تصرفات الأجهزة الأمنية والأمين العام للمستقبل أحمد الحريري»، يردّ مسؤول في ماكينة انتخابية مُنافسة لأشرف ريفي.
إعلان لائحة لبنان السيادة ــ المعارضة البيروتية في بيروت الثانية (المُرشحون هم: زياد عيتاني (الصحافي)، صفية ظاظا، أكرم سنو، عامر اسكندراني، زينة منصور، ياسين قدادو، بشارة خير الله ولينا حمدان)، لم يكن مُشابهاً لعكار. أشرف ريفي خارج حصنه الشمالي، استعاض عن الساحات والجماهير، بحجز صالة سينما «الكونكورد» (فردان ــ بيروت). على ذمّة المنظمين، «كان هناك قرابة 700 شخص، كلّهم من جمهور 14 آذار وتيار المستقبل».
الاحتفال الأكبر، كان يوم أمس، مع إعلان لائحة الشمال الثانية (وليد المصري، أسامة أمون، راغب رعد، بدر عيد، حليم زعني، جورج جلاد، أشرف ريفي، وليد قمر الدين، محمد سلهب، خالد تدمري وعلي عبد الحليم الأيوبي). نُقل الاحتفال من القاعة داخل فندق الـ«كوليتي إن» إلى الباحة الخارجية، وقد شارك في إطلاق اللائحة المُرشحون «الريفيون» في عكار وبيروت الثانية.
الثابت في المهرجانات الثلاثة هو خطاب ريفي، القائم على «دم الشهداء» وشيطنة حزب الله ومظلومية أهل السنّة والتركيز على نقاط ضعف التيار الأزرق وتحدّي الوزير نهاد المشنوق بالكشف عن مُرتكبي جريمة اغتيال اللواء وسام الحسن. هو الخطاب نفسه الذي يتوجه به تيار المستقبل إلى جمهوره. «هوّي (الحريري) عم يحكي متلنا»، يردّ المسؤول في ماكينة ريفي، مُصراً على أنّه «هذا هو خطابنا منذ زمن، والحريري عدّل كلامه من أجل الانتخابات النيابية. فليس نحن من قام بالتسوية مع حزب الله، ثمّ عاد ليُهاجمه». يبدو المسؤول مُرتاحاً لـ«صورة» إعلان اللوائح الثلاث، «لأنّ الناس ستقول إنّنا أقوياء، بعدما كانوا يُشككون بتشكيلنا اللائحة وثمّ نيلنا الحاصل». لكن، عملياً تبدد عقد «المفاتيح الانتخابية» التي كان يمون عليها ريفي بسبب غياب المال، والعديد من «جماعته» ضُغط عليهم ليُبدّلوا خياراتهم الانتخابية. يؤكد المسؤول أنّ «كلّ الذين انشقّوا عن ريفي يتواصلون معه شخصياً، مؤكدين أنّهم سيقبضون المال من المستقبل وينتخبوننا، وإن غداً لناظره قريب».