في خضمِّ إعلان التحالفات واللوائح في كافة الدوائر، تخضع تحالفات التيار الوطني الحر، أكثر من غيرها، للمراقبة، نظراً إلى أن التيار يخوض الانتخابات، للمرة الأولى منذ عام 2005، من موقع السلطة، وليس من موقعه المعارض للسلطة التي خاصمها، منذ أن غادر العماد ميشال عون لبنان. ومن الطبيعي أن يكون التيار تحت المجهر، وفقاً لآلية عمله وبناء تحالفاته، لأن ما يقوم به اليوم يهدف إلى وضع أسس متنية لمستقبل التيار ورئيسه جبران باسيل، كما للعهد الحالي والذي يليه.

ثمة ملاحظات تتبلور أكثر فأكثر، مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية وانكشاف لغة الخطاب السياسي للتيار والشخصيات التي ترشحت معه.
يطمح التيار إلى أن يكون الحزب المسيحي الأقوى والأكثر تمثيلاً. تحت هذا السقف، يخوض معركته لتحجيم القوى السياسية الثلاث التي عرفها الشارع المسيحي منذ سنوات. هي بذلك حرب الإلغاء التي تعود بالمعنى السياسي، فالجلوس كأربع قوى مسيحية في بكركي، مرحلة انتهت إلى غير رجعة. والتيار يسعى دوماً إلى أن يكون لاعباً منفرداً، لا يريد مشاركة الآخرين في القرار والسلطة، تماماً كما حصل حين انسحب من لقاء قرنة شهوان، رغم التقاء الأفكار بينهما.
فالتيار يخطط لمستقبل مختلف عمّا عاشه المجتمع المسيحي قبل الحرب وبعدها، سواء عبر الثنائية أو الرباعية، فيطوق الكتائب والمردة، والقوات اللبنانية رغم ورقة التفاهم بينهما، لخفض عدد ممثليها. وهو، لأجل ذلك، يحاول توسيع قاعدة تحالفاته، التي تتعرض لانتقادات حادة، من أجل أن يكون له حصة تمثيلية كبيرة، بغض النظر عن هويات الشخصيات المرشحة والتي ستصل إلى المجلس النيابي، ما دام القرار السياسي مركزياً وفي يد واحدة.
يعرف التيار الحر تماماً الشخصيات التي اختارها للانتخابات، ويدرك أن معظمها ليست عونية ولا تلتزم توجهات التيار، وحتى إن تاريخها لا يمت بصلة إلى التيار، لا من قريب أو بعيد. ولأنه يعرف ذلك، يدرك أن مصالح هذه الشخصيات تلتقي مع مصالح التيار، وستكون حكماً موالية للعهد، وقد بدأ خطابها السياسي يعبّر عنها حتى قبل أن تصل إلى المجلس النيابي. وإحدى حسنات هذه الشخصيات أنها غير قادرة على تغيير موازين اللعبة الداخلية للتيار أو للشارع المسيحي، لأن مصلحتها الأولى الوصول إلى المجلس النيابي، وهو بذلك يضمن سكوتها، وأصواتها في أيّ كباش سياسي.
وكلما كبر حجم الكتل التي تضم هذا النوع من الشخصيات، صغُر حجم الكتل الحزبية المسيحية الأخرى، التي يمكن أن تشكل إزعاجاً مستمراً للعهد كما حصل منذ سنة ونصف حتى الآن.
وبين التيار والعهد، الأولوية للعهد، ولما يرسم له وما بعده. وبرغم أن هذا المجلس النيابي ليس المجلس الذي ينتخب رئيس الجمهورية المقبل، إلا أنّ التعاطي معه يجري وفق سيناريوهات عدة وكأنه سينتخب عملياً الرئيس المقبل. لذلك، يكمن سرّ التغاضي عن الانتقادات العونية الداخلية للشخصيات التي رشحها التيار، إذ إن الأولوية حالياً هي لكتلة التغيير والإصلاح وليس التيار، لأن هذه الكتلة هي التي أوصلت عون رئيساً، وهي التي ستوصل مرشحه إلى بعبدا مجدداً.
ثمة إشكاليتان على طريق هذا السيناريو، تكمنان في مقاربة الناخبين المسيحيين اليوم، لهذا المشروع. فالناخبون العونيون والحياديون، رغم كل الانتقادات التي يوجهونها إلى التيار ينحازون تلقائياً إلى حزب السلطة، وحزب السلطة يغري دوماً، بأن يجتذب إلى جانبه المناصرين. والأحزاب الثلاثة الأخرى، سواء عبر أخطاء ارتكبتها، أو بسبب عدم وجودها في السلطة، تخوض امتحاناً حقيقياً لقوتها، وهي تعلم حجم الضغط المقابل الذي تواجهه، في انتخابات خصمها الأساسي فيها هي السلطة نفسها.
لكن لا يمكن القفز فوق التاريخ، لأن ما حصل مع وصول أول عسكري إلى رئاسة الجمهورية، أي اللواء فؤاد شهاب، قابل لأن يتكرر اليوم وغداً. فالدعم الذي حصل عليه في الانتخابات النيابية التي سميت انتخابات المكتب الثاني عام 1964، هو نفسه الذي انقلب عليه عام 1968 وحقق فوز الحلف الثلاثي. فكلما بالغ المكتب الثاني في تصوير قوته وحضور فؤاد شهاب في المجتمع المسيحي، تراجعت شعبية الأخير، رغم الإنجازات التي قام بها عهده في الإدارة اللبنانية. فكل الإنجازات في كفة، والانقلاب عليه في الشارع المسيحي في كفة أخرى. وحين تمكن الحلف الثلاثي من الفوز، إنما تمكن بأصوات الناخبين أيضاً الذين بدأوا ينفكون عن العهد ورجاله.
صحيح أن طبيعة المعركة الانتخابية تختلف اليوم عن سابقاتها، وصحيح أيضاً أن الحلف الثلاثي يختلف بشخصياته عن الأحزاب الثلاثة التي تواجه اليوم حزب العهد، لكن الناخبين لا يزالون هم أنفسهم.
الإشكالية الثانية هي أن التيار في محاولته جرف القوى المسيحية المعادية له، لا يوفر جهداً للتصويب على قوى سياسية أخرى، كالرئيس نبيه بري ووليد جنبلاط، معبِّراً بوضوح عن ضرورة تقليص حصصهما، مضاعفاً عدد خصومه، باستثناء تيار المستقبل. والمشكلة الدائمة مع بري وجنبلاط، نموذج عن محاولة استبعاد تأثيرات الطرفين على المستقبل السياسي للتيار والعهد. أليست مفارقة أن ينفي المستقبل رغبته في تغيير رئيس المجلس النيابي وردم بعض الهوة مع جنبلاط، فيما لا ينفي التيار ذلك؟ وإن كان اتجاهه للتصويت بورقة بيضاء في انتخابات رئاسة المجلس النيابي، كما فعل بري في انتخابات رئاسة الجمهورية.