هل حقاً ضاقت الدنيا بكل الخيارات، فلم يبق سوى استئجار المزيد من بواخر الكهرباء؟ قد يكون ذلك صحيحاً وقد لا يكون، لكن الأكيد أن تجربة الباخرتين الحاليتين يجب ألا تتكرر. استؤجرت باخرتا «فاطمة غول» و«أورهان بيه» مؤقتاً لثلاث سنوات قابلة للتجديد سنتين، على أن تكون هذه المدة كافية لإنجاز بعض الخيارات الدائمة. ها هي السنوات الخمس تشارف على الانقضاء... والكارثة الفعلية ستكون عند فصلهما عن الشبكة.

يسأل وزير الطاقة سيزار أبي خليل كم مرة يجب أن يعدّل دفتر شروط المناقصة، بينما الإجابة وصلته مراراً وتكراراً من إدارة المناقصات. لم يكن بحاجة إلى تعديلها، ولو لمرة واحدة، لو التزم بالملاحظات الجوهرية لإدارة المناقصات ولم يحصر التعديلات بما لا يطال الحبكة المفصّلة على قياس إحدى الشركات (مدة إنجاز الأعمال والتقييم المالي وحصر مهلة تقديم العروض بثلاثة أسابيع والقيمة المرتفعة للتأمين...).
قرار مجلس الوزراء بشأن تكليف وزير الطاقة والمياه المباشرة بإجراءات استدراج عروض البواخر واضح لناحية التقيد بالقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، وفي طليعتها قانون إنشاء مؤسسة كهرباء لبنان وقانون المحاسبة العمومية. وبالتالي، فإن العودة إلى القانون ملزمة ولا تندرج في سياق المجاملة ومراعاة خواطر الأفرقاء السياسيين ولا نزولاً عن رغبات بعضهم (كما يكرر وزير الطاقة). قد يكون كلام الوزير أبي خليل عن رغبة أحد الأطراف في إدخال إحدى الشركات إلى المناقصة صحيحاً، لكن ذلك لا يعفيه من تقديم مناقصة شفافة، يفوز فيها من يلتزم بالمعايير المطلوبة.
يردد وزير الطاقة عبارة «المؤسسات العامة لا تذهب إلى إدارة المناقصات»، لكنه يتناسى أن نظام استثمار مؤسسة كهرباء لبنان لا يجيز لها، في الأساس، توزيع الطاقة من غير تلك التي تنتجها من معاملها أو من معامل تملك امتياز إنتاج الكهرباء، وبالتالي فإنه لا يجوز للمؤسسة أن تستجر الطاقة من البواخر، التي وافق مجلس الوزراء على إجراء استدراج عروض من أجلها، واشترط أن يجري ذلك «وفقاً للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء»، وفي طليعتها قانون المحاسبة العمومية.
«وفق القانون»، يُحصر حق الاشتراك في استدراجات العروض التي تجريها مؤسسة كهرباء لبنان بمتعهدي الأشغال وصانعي المعدات ووكلائهم المسجلة أسماؤهم في اللوائح المنظمة لديها وفقاً لأحكام محددة في نظامها المالي، بحيث يبدأ ذلك بالإعلان في الجريدة الرسمية، وبموجب قرار من المدير العام وليس من وزير الوصاية. فهل البواخر «متعهد أشغال» أو «صانع معدات»؟ وبناءً على أي لوائح يمكن لهذه العروض أن تُستدرج؟
ذلك يقود إلى التأكيد أن هناك فروقات بين النظام المالي للمؤسسة وقانون المحاسبة العمومية، وأحد وجوه هذه الفروقات هو بين استدراج عروض وفق لوائح مسبقة وبين المناقصة العمومية التي تجري على أساس دفتر شروط يحدد المؤهلات الواجب توافرها في العارضين والمستندات المطلوبة لإثبات توافرها. ولذلك، فإن ما أجري بالفعل هو مناقصة عمومية لا يمكن أن تجري إلا في إدارة المناقصات وفقاً لنظامها ولأحكام قانون المحاسبة العمومية، التي توجب اعتماد دفتر شروط يحترم مبادئ الشفافية والمساواة بين العارضين، ويوفر أوسع قدر من المنافسة.

دير عمار والذوق وعقدة المنصورية وتمديد عقد الباخرتين الحاليتين... أليست أولى من استئجار بواخر جديدة؟


ليس المطلوب فقط أن تسير المناقصة وفق الطرق القانونية. ذلك أمر يفترض أن يكون بديهياً. لكن الأهم هو تهيئة الظروف الموضوعية لإجراء المناقصة أو غيرها. القانون ١٨١/ ٢٠١١ أعطى وزير الطاقة والمياه مهلة شهرين من تاريخه لتعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان وثلاثة أشهر لتعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء التي من صلاحياتها وضع دفاتر الشروط لإعطاء تراخيص وأذونات إنتاج الكهرباء. وبالتالي، فإن من يعرقل زيادة الإنتاج ليس من يرفض السير بمناقصة غير قانونية، بل من لا يلتزم بتطبيق القوانين.
وليس خافياً على أحد أيضاً أن تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان هو الحجر الأساس لمواكبة تنفيذ الخطط الموضوعة، بحيث يفترض أن يكون مشاركاً فعلياً في إجراءاتها التحضيرية والتنفيذية، وفقاً لتوصيات هيئة التفتيش المركزي، لا مغيّباً عنها كما يحصل حالياً، وخاصة في الحالات التي تترتب فيها أعباء مالية على عاتق هذه المؤسسة.
إن استئجار البواخر، سواء قبل تعديل دفاتر الشروط أو بعده، ومن دون وضع تصور لنتائجه المالية وتدارك هذه النتائج مسبقاً، وبناءً على دراسة مالية للتدفقات والتعرفة وتعويض الهدر وتحديد الجهة التي سوف تتحمله، هو مغامرة كبيرة ومحفوفة بالمخاطر. فلنتصور أن تلزيم البواخر حصل اليوم، فمن يتابع ويواكب ويتحمل المسؤولية في مؤسسة كهرباء لبنان؟ ومن يضمن شروع وزير الطاقة في معالجة شؤون القطاع وتعيين مجلس إدارة جديد وتعيين هيئة ناظمة لتنظيم إصدار أذونات الإنتاج؟ وما هي مبررات تأجيل هذه الخطوات؟
أما التركيز على استئجار البواخر ورمي الكرة في ملعب «المعترضين» من خلال السؤال عن الحلول البديلة، فيبدو أقرب إلى التمويه والتعمية والتعجيز، إذ من قال إن الأولوية هي لمشكلة تأمين طاقة كهربائية إضافية حالاً وفوراً وبأي ثمن، ومن دون تعديل دفتر شروط مناقصة البواخر بما يتفق مع ملاحظات إدارة المناقصات ومآخذها! فالنقص في تلبية الطلب على الطاقة مزمن، والمشكلة غير ملحّة إلى حدّ السقوط في مغامرة مالية من دون التحسّب لعواقبها المحتملة. وهناك خطة لمعالجة هذه المشكلة، والحل لا يكون بالهروب إلى الأمام، بل بإعادة ترتيب الأولويات وتطبيق أحكام القوانين النافذة، ومعالجة مشاكل قطاع الكهرباء العالقة، ومنها الخلاف على معمل دير عمار، وتأهيل معمل الذوق بعد سقوط مشروع تأهيل معمل الجية واتخاذ القرار بجرفه، وعقدة وصلة المنصورية، وأزمة شركة دباس وتأمين التوزيع في مناطق الجنوب والجبل والضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، وكذلك معالجة أوضاع مؤسسة كهرباء لبنان المالية والإدارية والتقنية. وقبل هذا وذاك، ولأن عقد الباخرتين الحاليتين ينتهي في صيف عام 2018، فلماذا لا تعطى الأولوية لسعي الحكومة، منذ اليوم، إلى تمديد عقدَي الباخرتين الحاليتين، بعد إعادة التفاوض على السعر (من البديهي أن ينخفض السعر بعد إسقاط التكاليف المتعلقة بالتجهيز والنقل والترسية والربط والتحضير)؟