مؤتمر سيدر بعد غد. التحضيرات لانعقاده شارفت على نهايتها، والحكومة اللبنانية، أو بشكل أدق، رئاسة الحكومة، تعد بالمن والسلوى من هذا المؤتمر. لكن المشكلة أن في الحكومة من لا يؤمن ولا يقتنع بجدوى المؤتمر من أساسه. في مؤتمر «من باريس إلى سيدر»، الذي عقد في فندق البريستول منذ عشرة أيام، ملاحظة من أحد الخبراء السابقين في صندوق النقد الدولي، وهو كان مدققاً في مؤتمري باريس 2 و3، تفيد بأنها المرة الأولى في تاريخ فرنسا التي تعمد فيها الحكومة إلى عقد مؤتمر مانحين لدولة ما قبل أسابيع من الانتخابات النيابية. ذلك لا يمكن أن يصنّف سوى في إطار الدعم السياسي للحكومة. وإذ يؤكد الخبير الدولي نظرية المؤتمر التسويقي، فإنه يرى أن المؤتمر يتعامل مع الواقع اللبناني كما لو أنه يعاني مرضاً بسيطاً، فيما الواقع أنه مصاب بسرطان لن يشفيه منه الاستثمار الخارجي، بل الإرادة الداخلية بمكافحة الفساد.

هل في البرنامج المقدم لمؤتمر سيدر ما يضع حداً للفساد المستشري؟ كل الإجابات، التي تأتي على لسان أكثر من وزير، تشير إلى أن المؤتمر سيؤدي إلى فتح باب الفساد أكثر، انطلاقاً من معادلة بسيطة مفادها أنه كلما زادت الأموال في بيئة فاسدة زاد الفساد (يتوقع تقرير رئاسة الحكومة أن تصل التدفقات السنوية إلى 1.5 مليار دولار). في الحكومة نفسها من يخشى أن تساهم الديون التي سنحصل عليها في تمويل الفساد واستمراره. باختصار، هي خطة إنفاقية وليست استثمارية، يقول أحد الوزراء، مشيراً إلى أن الخطة تتطلب مسح الحاجات، ثم تحديد كلفتها، فأولوياتها وأهدافها، وصولاً إلى وضع مؤشرات لقياس أهدافها، فهل قامت الحكومة بأي شيء من هذا القبيل؟
ما قام به فريق رئيس الحكومة هو إنجاز كل المستندات المتعلقة بمؤتمر سيدر، وآخرها، ما يسمى «رؤية الحكومة للاستقرار والنمو وفرص العمل». الوثيقة مؤلفة من 17 صفحة، وموجودة على موقع رئاسة الحكومة باللغة الإنكليزية ومن دون ترجمة. وهي تعد بمثابة نقطة الانطلاق لما يريده لبنان من باريس. (http://www.pcm.gov.lb/Admin/DynamicFile.aspx?PHName=Document&PageID=11224&published=1 )
تستعرض الورقة الأضرار التي لحقت بالاقتصاد من جراء النزوح السوري، وتميز بين الرؤية الاقتصادية وبرنامج الاستثمارات المقدم. كذلك تذكّر باستطلاع رأي أجراه كل من «اليونيسيف» وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وفيه أن 90 في المئة من الشباب اللبناني ينظرون إلى تهديد اقتصادي أو رمزي من النازحين السوريين الموجودين في لبنان. كما تشير إلى أن زيادة الفقر والبطالة بين اللبنانيين ووجود السوريين العاطلين من العمل، ولا سيما الشباب منهم، هو وضع يمكن أن يؤدي إلى تزايد الاضطرابات الاجتماعية والعنف ويهدد الاستقرار السياسي والأمني للبلد، وستكون عواقبه محسوسة خارج حدود لبنان.

رئاسة الحكومة تطلب صلاحيات استثنائية لتجنب تأخير مجلس النواب في التصديق على القوانين


التهديد المبطن بإمكانية انتقال النازحين إلى أوروبا مفيد، لكن ذلك لا يستوي مع تقديم وعود للمؤتمرين لا يمكن تطبيقها، كالقول بإمكانية الحصول على إجازة عامة من مجلس النواب. فإبداع التقرير يتمثل في سعيه إلى الالتفاف على الدستور والتأخير المتوقع من مجلس النواب في التصديق على المشاريع الجديدة، من خلال تجنب تقديم كل مشروع فردي إلى المجلس النيابي للحصول على موافقة عليه قبل البدء في تنفيذه. ولذلك، يقول التقرير إن الحكومة تعتزم «تقديم برنامج الاستثمار العام إلى مجلس النواب في مرحلتيه، مع طلب تفويضها إبرام اتفاقيات مع المقرضين الرسميين والمانحين للحصول على قروض بشروط ميسرة». وتستكمل الورقة الإشارة إلى أنه «ليس مطلوباً موافقة مجلس النواب على استثمارات القطاع الخاص للبنية التحتية في إطار قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وستشمل الموازنات لعام 2019 وما بعده مخصصات للأموال المطلوبة لمشاريع البرنامج الاستثماري التي يدعمها المقرضون الرسميون والمانحون».
إذا كان هذا الكلام معداً للاستهلاك الخارجي وتبيان جدية الحكومة في سعيها إلى تنفيذ مقررات باريس 4، خلافاً لمقررات باريس 2 و3 التي لم تنفذ، فإن وزيراً معنياً يقول إن «هذه صلاحيات استثنائية تريدها الحكومة ولا يمكن أن تمر، جازماً بأن كل اتفاقية يجب أن تمر على مجلس النواب ليصدق عليها على حدة. هذا ما يقوله الدستور وهذا ما سيحصل»، يؤكد الوزير.
سبق لوزير المال أن سأل في مجلس الوزراء عن وجود أي دراسة عن أثر ديون باريس على الخزينة، فكانت الإجابة بالنفي. لا تقدير للمترتبات المالية للقروض التي سيحصل عليها لبنان ولا دراسة لما بعد إنجاز الاستثمارات، التي تقدر قيمتها النهائية بـ 17.253 مليار دولار!
استشهاد المصدر الوزاري بكلام وزير المال، في معرض تقديره لعواقب المؤتمر، يقوده إلى التمني أنه «إذا الله بيحب الشعب اللبناني ما بيمشي سيدر».