عندما أعلن عن إطلاق سراح محتجزي فندق الريتز في السعودية، أشيعت الأنباء عن أنه جرى إطلاق سراح من اعتقل من الأمراء وكبار المسؤولين السعوديين، وأنه تمت تسوية أوضاعهم مع الديوان الملكي. لكن سرعان ما تبين أن الأمر ليس كذلك، وأن الإطلاق جرى وفق مبدأ «الإفراج المشروط»، وتم إبلاغ جميع من أطلق سراحهم بأنهم ممنوعون من مغادرة البلاد، ومن مقابلة أحد من خارج أسرهم إلا بإذن من الديوان، وتم وضع سلاسل إلكترونية في أقدام الغالبية لمنعهم من الهرب، كما تم سحب سياراتهم ومواكبهم وطائراتهم الخاصة من العمل.

الجانب الآخر من الشروط كان يتعلق بعدم الحديث عن فترة الاعتقال، مع العلم بأن الديوان الأميري يراهن كل الوقت على أن المحتجزين لن يتحدثوا عما جرى معهم، لأنهم سيظهرون في موقع الضعيف. وأن غالبية هؤلاء يريدون تسوية أمورهم مع ولي العهد، محمد بن سلمان، ولن يغضبوه. ومع ذلك، حصل العكس.
يقول مصدر مطلع في الرياض إن العدد الفعلي لمن تم احتجازهم في منازلهم أو في مقارّ خاصة تتبع لشرطة الديوان، أو في فندق الريتز، يتجاوز 700 شخص، وإن بينهم عدداً غير قليل من النساء من زوجات الملاحقين وأمهاتهم وأخواتهم وبناتهم. وإن الإقامة الجبرية فرضت على جميع هؤلاء، ومنعوا ــ الى اليوم ــ من السفر أو التداول بما يحصل.
ويضيف المصدر، إن التسويات التي جرت مع بعض الموقوفين لم تشتمل حصراً على التبرع بمبالغ مالية كبيرة تقدر بنحو 23 مليار دولار لمصلحة الخزينة العامة (جرى التوقيع على أوراق رسمية لنقل هذه الأموال الى حسابات حكومية)، بل جرى التنازل عن حصص وأسهم في شركات كبيرة تعمل داخل المملكة، وإن الأسهم الخاصة بالشركات الموجودة خارج السعودية تحتاج الى وضع مختلف، يكون فيه صاحب الأسهم قادراً على المثول طواعية أمام جهات قانونية أجنبية لأجل التوقيع على تنازل عن الأسهم.
وبحسب المصدر، فإن عمليات التنازل شملت قطاعات الإعلام والأعمال والمصارف والشركات المالية، وإن الحكومة وضعت يدها على حصص وأسهم يملكها أفراد من العائلة المالكة من الذين يعيشون خارج السعودية ويرفضون العودة الى الرياض. ومن بين هؤلاء مالكو 60 بالمئة من أسهم شبكة «mbc»، وهو التنازل الذي قضى بأن يعاد تشكيل مجلس الإدارة ليضم ممثلين عن ولي العهد، على أن يترك لرئيس الشبكة الحالي وليد الإبراهيم إدارة الأمور من مقر إقامته في الرياض من دون منحه حق السفر، وسمح له بعقد اجتماعات مع المديرين التنفيذيين في الشبكة لكن من دون اتخاذ قرارات استراتيجية.
الأمر نفسه جرى مع أبناء ابن لادن ومع الوليد بن طلال، الذي أبلغ بأنه يمنع عليه بتاتاً الاتصال بأحد من العاملين في شركاته، وخصوصاً الأجانب، إلا بإذن، وأن تكون الاجتماعات بحضور مندوب الديوان، علماً بأن الوليد وافق على كل طلبات الديوان وخصوصاً إجراء مقابلات صحافية تقدم صورة مختلفة عما جرى معه في الاحتجاز، لكن المشكلة التي تواجهه هي في الآلية التي ستعتمد للتنازل عن حصص وأسهم في شركات موجودة خارج السعودية. وقد رُفِض، عدة مرات، طلبه السفر لإنجاز المعاملات، وقد أُبلغ بأنه غير موثوق من قبل الديوان، وأنه سيعمد الى التقدم بطلب لجوء سياسي في أول دولة يغادر إليها ليكون رأس حربة في الحرب على محمد بن سلمان.
على أن الأخبار السيئة التي جرى تناقلها من الأوساط الضيقة للمفرج عنهم، تتصل بالليالي والأيام القاسية التي أمضوها، وتعرضوا خلالها لعملية إذلال، تراوح العقاب فيها بين حرمانهم من خدمات عادية تتصل بظروف الإقامة، واختيار الأطعمة، وصولاً الى التعرض الدائم للشتم من قبل عناصر الشرطة المكلفين حماية مقر احتجازهم، وصولاً إلى العنف الجسدي، وهو الأمر الذي تردد بداية أنه جرى على أيدي ضباط أمن أجانب. وزعم كثيرون أن ابن سلمان استعان بشركة أمن أميركية لهذا الغرض، لكن تبين لاحقاً أنه لا أساس لكل هذه المعلومات، وأن المستشار في الديوان تركي آل الشيخ، كان يتولى هذه المهمة، وأنه شخصياً تولى ضرب عدد غير قليل من المحتجزين، بينهم الأمير متعب وخالد التويجري والوليد بن طلال ووليد الإبراهيم و... الرئيس سعد الحريري. وكان الرجل المعروف بمزاجيته الحادة ورعونته، يتقصد توجيه الإهانات المباشرة لهؤلاء، وإشعارهم بأنهم يعيشون آخر أيامهم. ووصل به الأمر إلى حد تهديد البعض منهم بالتعرض لأفراد من عائلاتهم.
لكن لماذا أفرج عنهم؟
بحسب المصدر، فإن الأمر لم يكن نتيجة تعديلات في وجهة ابن سلمان لإخراج هؤلاء من الحياة العامة في البلاد نهائياً. بل إن القرار جاء استجابة لطلبات أميركية وبريطانية، بأنه سيكون من الصعب على واشنطن ولندن استقبال ابن سلمان وهو يستمر في احتجاز هؤلاء الذين لم توجّه لهم تهم قانوية، وأن ابن سلمان سيتعرض لحملة إعلامية ستصيب الإدارتين الأميركية والبريطانية في حال إصراره على احتجازهم. مع العلم بأن التعديل الخاص بالرئيس الحريري تمّ بناءً على توصية أميركية ــ فرنسية ــ إماراتية، دعت ابن سلمان الى معالجة الأمر لاحتواء ردة الفعل الغاضبة في بيروت والتي سوف يستخدمها أعداء السعودية في لبنان ضد المملكة. مع الإشارة هنا الى أن الحريري الذي زار الرياض أخيراً بصفته رئيساً للحكومة، سمع اعتذاراً علنياً ورسمياً من ابن سلمان، وأن الحريري لم يطلب خلال الاجتماع تعويضاً مالياً عما حصل معه. بل يقول المصدر إن الحريري بادر الى الحديث عن أنه لا يحتاج إلى دعم مالي للانتخابات النيابية. وإنه سعى الى عدم التورط في أي التزامات سياسية تخص تحالفاته الانتخابية في لبنان.