تبنّت الورقة اللبنانية، التي ستعرض اليوم في مؤتمر «باريس 4»، وصفة صندوق النقد الدولي للإصلاح الاقتصادي والمالي في لبنان، والتي وردت في بيان خبرائه الأخير. هذه الوصفة الجاهزة للصندوق لما يسمّيها «إصلاحات» هي عبارة عن إجراءات بعضها مباشر ويستهدف مداخيل الأسر صراحة، وبعضها الآخر عمومي وضبابي جداً ولا يكاد يلحظ آليات التطبيق أو الأطراف المعنية.

تبنّي الحكومة وصفة الصندوق يهدف الى ضخّ جرعة إنعاش إضافية في شرايين «النموذج» اللبناني، وهذا ليس إلا مؤشراً على استمرار النموذج تحت وصاية دولية، إذ لم تشر الورقة إلى خفض الدين العام وكلفته إلا من خلال الإشارة إلى خفض الإنفاق وزيادة التحصيل عبر إجراءات نصّت صراحة على إصابة مداخيل الأسر الفقيرة والمتوسطة، بعد رفع تعرفة الكهرباء، وإعادة النظر في القطاع العام. حاملو الدين تنعّموا على مدى السنوات الماضية بالإثراء من إقراض الدولة والإمعان في تمويل الفساد والهدر، وهم اليوم يحصلون على مغانم إضافية في مؤتمر لا يهدف إلا إلى توفير حماية لا مثيل لها.
قراءة هذا الوضع ليست مستعصية. فالأمر يبدأ بالتقويم الأخير الذي أجراه صندوق النقد الدولي للورقة التي سيقدّمها لبنان إلى مؤتمر «باريس 4». بحسب مصادر مطلعة، فإن الصندوق رسم أربعة سيناريوات لجدوى المشاريع التي سيطلب لبنان تمويلها على مراحل، فتبيّن أن هناك ثلاثة بينها غير مجدية، مقابل سيناريو واحد يحمل جدوى تتيح للبنان الحصول على التمويل اللازم. السيناريو المجدي يقضي بأن التمويل الآتي من الجهات المقرضة أو عبر الشراكة مع القطاع الخاص (الخصخصة) هو عبارة عن ديون إضافية على لبنان، وإنفاقها لن يكون له مفاعيل اقتصادية إلا بشرط التزام لبنان بالإصلاحات.

ما هي هذه الإصلاحات؟
في الواقع، إن الورقة اللبنانية نسخت بالكامل ما ذُكر في البيان الأخير لخبراء صندوق النقد الدولي عن «خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي»، إلا أنها قرّرت المواربة في ما يخص التفاصيل. فلم تذكر صراحة أنه يجب زيادة ضريبة القيمة المضافة والضريبة على المحروقات، كما اقترح الصندوق، بل أمعنت في إخفاء نياتها، مشيرة إلى التزامها «بإصلاح هيكلي يوازي 5 نقاط مئوية من الناتج على مدى السنوات الخمس المقبلة، بمعدل 1% سنوياً عبر زيادة الإيرادات وتحسين التحصيل والتقليل من الثغَر وخفض النفقات».
اضطر معدّو الورقة اللبنانية، تحت ضغط الجهات المنظمة للمؤتمر في فرنسا والمؤسسات الدولية، إلى أن يكشفوا عن طريقة تطبيق هذه المعادلة من خلال التعهد بالآتي: «زيادة تعرفة الكهرباء وخفض التحويلات إلى كهرباء لبنان نظراً إلى أنها تمثّل 4 نقاط مئوية من الناتج».

المطلوب زيادة الضرائب على استهلاك الأسر من محروقات وسلع وكهرباء

التوصيف الوارد في الورقة عن الكهرباء يختلف بشكل جذري عما ورد في بيان خبراء صندوق النقد. فالحكومة اللبنانية لا تعترف بأن التحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان هي دعم للتعرفة خلافاً لتوصيف الصندوق الذي يحدّد التحويلات بأنها دعم. ما تعنيه كلمة الدعم هو أن الدعم يصيب فئات لا تحتاج إليه، فالأثرياء يغرفون من دعم تعرفة الكهرباء أكثر بكثير من الذين هم بحاجة ماسة إلى الدعم. أما زيادة تعرفة الكهرباء فهي أمر لا بدّ منه، لكن أي هيكلية للتعرفة ستطبق، فهل ستكون تصاعدية على الشطور الأعلى للاستهلاك، أم أنها ستكون على شاكلة الاقتراح الوارد في مشروع موازنة 2018، أي ستصيب صغار المستهلكين (الفقراء) ومتوسطي الدخل أكثر من غيرهم؟ هل زيادة التعرفة تعني أن يتحوّل مصدر تمويل تحويلات الكهرباء من الضرائب إلى جيوب الفقراء ومتوسطي الدخل مباشرة؟

خفض الإنفاق
كذلك تعهدت الورقة بأن تعمل الحكومة على «خفض الإنفاق». خفض الإنفاق يعني حصراً التصويب على رواتب موظفي القطاع العام وأجورهم وملحقاتها. في الواقع، إن الورقة حدّدت نياتها والتزاماتها أمام المجتمع الدولي، تجاه القطاع العام، رغم ورود بنود بلا تفاصيل أو آليات وتحت مسميات مطاطة وتحتمل الكثير من التفسير والتأويل، مثل «مكافحة الفساد»، «إصلاح القضاء»، «تحسين بيئة الأعمال»، «حوكمة الغاز والنفط»، «الحكومة الإلكترونية» «تطوير إدارة الأراضي»، «استراتيجية للجمارك»... بعيداً عن هذه العناوين العامة، تطرّقت الورقة إلى القطاع العام بشكل تفصيلي وواضح باستهدافاته. فقد استعادت الورقة النقاشات التي كانت سائدة يوم أقرّت سلسلة الرتب والرواتب قبل إقرار القانون 46، ولا سيما النقاش عن الكلفة الكبيرة والمتزايدة لنظام التقاعد في القطاع العام وكلفة التقديمات الاجتماعية التي يحصل عليها الموظفون من مساعدات مدرسية وصحية وسواها. يومها اشترط لإقرار سلسلة الرتب والرواتب أن يعدّ وزير المال تقريراً عن هذا النظام ويضع الاقتراحات لإصلاحه.
هذا النقاش عن القطاع العام جرى تلخيصه في الورقة اللبنانية المرفوعة إلى مؤتمر «باريس 4» بالآتي: «يجب إعادة هيكلة القطاع العام. بموجب القانون 46، يجب وقف التوظيف في القطاع العام إلا بقرار من مجلس الوزراء، وتوحيد التقديمات الاجتماعية، وأن تعيد الدولة النظر بسياسة الدعم ومساهمتها في الصناديق، وأن تقوم بتقويم أداء موظفي القطاع العام».



سلامة: مقترحات غير قابلة للتنفيذ
(هيثم الموسوي)

في 15 شباط، صدر عن الأمانة العامة لجمعية المصارف التعميم الرقم 75/2018 الذي يتضمن محضر اللقاء الشهري بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف. في فقرته الأخيرة، ينقل المحضر عن سلامة قوله إن «المعالجات المطروحة ضمناً (في بيان صندوق النقد) غير واقعية، إذ كيف يمكن ردم الهوّة (10%) بين مداخيل الدولة (20% من الناتج) ونفقاتها (30% من الناتج) مع استحالة زيادة المداخيل 5% وخفض النفقات 5% في فترة زمنية وجيزة. إنها مقترحات غير قابلة للتنفيذ».


استهدافات صندوق النقد
التمعن في البيان الأخير لخبراء صندوق النقد عن لبنان، يوضح مدى التطابق بين وصفة الصندوق لما يسمّيها إصلاحات، وبين ما يرد في الورقة اللبنانية التي سيقدّمها لبنان اليوم أمام الجهات المانحة في باريس. يقول البيان: «هناك حاجة ملحة لخطة ضبط مالي تتركز فيها التعديلات المالية في البداية، وتكون جزءاً من موازنة عامة موثوقة. وتجمع حزمة التعديلات المقترحة بين إجراءات تتعلق بالإيرادات وأخرى تتعلق بالإنفاق. وتشمل هذه الإجراءات: (1) زيادة معدلات ضريبة القيمة المضافة، مع تحسين الامتثال والحد من الإعفاءات والرديات الضريبية؛ (2) إعادة رسوم البنزين وضرائب المحروقات إلى مستوياتها السائدة قبل عام 2012؛ (3) الإلغاء التدريجي لدعم الكهرباء. ومن شأن التعديلات المقترحة أن تحقق تحسناً كبيراً في مسار الدين العام. وبالإضافة إلى ذلك، هناك مجال لاحتواء الإنفاق المتعلق بالموظفين وإصلاح جهاز الخدمة المدنية، وهو ما يمكن أن يحد من جمود الإنفاق ويخلق حيزاً مالياً لتمتين شبكة الأمان الاجتماعي وتوفير حماية أكبر لمحدودي الدخل».