«الصورة الظاهرة في المرآة تبدو مغايرة لما هي عليه في الواقع». تنطبِق هذه العبارة التي تذيّل مرايا السيارات (من اليمين واليسار) على مشهد احتفالية افتتاح «جادة الملك سلمان بن عبد العزيز» في الواجهة البحرية لبيروت يوم الثلاثاء الماضي. أراد القيّمون على هذا الحدث، لبنانيون وسعوديون، أن يحمِل رسالة ذات مغزى سياسي كبير، مفادها أن الانتكاسة التي أصابت خطّ بيروت – الرياض عموماً، وخطّ الطائفة السنية في لبنان – المملكة خصوصاً، مع أزمة احتجاز رئيس حكومة لبنان (4 تشرين الثاني 2017)، قد ولّت إلى غير رجعة.

يستطيع القائم بالأعمال السعودي في بيروت وليد البخاري، ومعه مستشار الديوان الملكي نزار العلولا، وفي ظهرِيهما سعد الحريري، أن يقرروا طيّ صفحة سياسية وفتح أخرى جديدة. لكن قرارهم ليس ملزماً لغيرهم. فليس بإمكان أحد طيّ ذاكرة جمهور لبناني عريض، شعرَ بالإهانة مع إهانة مملكة الصمت لرئيس حكومة لبنان، فضلاً عن وضع مصير بلد في خضم المجهول قبل خمسة أشهر.

الحريري لم يستخدم صفة «صاحب الجلالة» رغم ذكره سلمان ثلاث مرات (هيثم الموسوي)

كيف لا وهناك جمهور لبناني من لون مذهبي معين لطالما كان ينظر إلى السعودية بوصفها «الشقيقة الكبرى» و»الأم العربية الحنون» و»مملكة الخير» والضامن الإقليمي. وحينَ أقدمَ السعوديون على تلك المغامرة غير المحسوبة، لم يضعوا في الحسبان، أو هكذا صوّر لهم البعض، أن نظرة أولئك اللبنانيين المتحمسين للمملكة ولمن توّجته «ملكاً» في لبنان (الحريري)، ستتبدل بعد تلك الواقعة التي لن يكون من السهل شطبها، لا من ذاكرة الحريري نفسه ولا من ذاكرة مريديه في لبنان.

لماذا هذه المقدّمة؟
يومَ افتتاح جادة سلمان، خصّصت وسائل إعلامية محلية مساحة واسعة لـ»الحدث الحاشد»، لكنها أغفلت تفاصيل تكاد تكون هي الأهم في دلالاتها وأبعادها. ثمة معلومات ظلّت مكتومة، وأهمها بروز استياء سعودي من تفاصيل وضعتها السفارة السعودية في لبنان في خانة «التقصير» ولا بد من مساءلة المسؤولين عنها، سواء في تيار المستقبل أو بلدية بيروت.
هي المرة الأولى التي يُطلق فيها اسم عاهل سعودي على جادة في العاصمة منذ عام 1992 حتى يومنا هذا. القرار اتخذته بلدية بيروت بموجب بند أدرجه رئيسها جمال عيتاني على جدول أعمال المجلس البلدي. صُدّق القرار من دون مناقشة أو اعتراض أي من الأعضاء. سبق هذا الإقرار «وعد سعودي بتقديم هبة للبلدية بهدف إقامة مشروع كبير في هذه المنطقة (الواجهة البحرية) بعد الانتخابات النيابية مباشرة، رجّح البعض أن يكون قصراً شبيهاً بقصر المؤتمرات الذي كان يطمح رفيق الحريري إلى تشييده في العاصمة»، علماً أن أي مشروع كبير من هذا النوع يستوجب آليات خاصة بعمل شركة «سوليدير» في بيروت.
كان القيّمون على الاحتفال يتوقعون أن يصل الحشد إلى حدود 10 آلاف شخص


وحينَ تولّى وليد البخاري توزيع الدعوات شخصياً إلى الجهات الرسمية المدعوة، تبيّن أنها شملت حوالى 500 شخصية (سياسية واقتصادية ودبلوماسية واجتماعية وثقافية وإعلامية)، حضرَ منها أقل من 200، في حين التزم تيار المُستقبل، بشخص أمينه العام أحمد الحريري، بتأمين حشد شعبي كان يقدّر القيّمون على الاحتفال في السفارة أن يصل إلى حدود عشرة آلاف شخص، فيما لم يتعدّ عدد الحضور العشرات، ومعظمهم ممن صادف وجودهم في شارع الزيتونة أو «الزيتونا باي». وتمّ تجهيز مواقف للسيارات وممرّات خاصة للضيوف والحشد، لم تُستخدَم كلياً. مع أن السفارة السعودية تكفّلت بتأمين كل التجهيزات الصوتية والألعاب النارية وباقي الإكسسوارات، وكلفّت ما يقارب ربع مليون دولار، وبينها السينوغرافيا الضوئية على واجهة فندق فورسيزن الشمالية الغربية.
المطّلعون على أجواء السفارة السعودية، غداة الاحتفال ــ الفضيحة، يتحدثون عن استياء البعثة السعودية التي اعتبرت أن هناك تقصيراً من جانب تيار المُستقبل. هؤلاء يسألون عمّا إذا كان المعنيون في تيار المستقبل لم يلتزموا أصلاً بوعدهم بالتحشيد، أم أن دعواتهم لم تلقَ تجاوباً في الشارع البيروتي.
الاحتمال الثاني خلق «نقزة» عند الجانب السعودي بأن تكون كل محاولات محو الذكرى السيئة (واقعة احتجاز الحريري وإهانته) لم تُجدِ نفعاً حتى الآن. أما أكثر ما استفز المبعوث الملكي نزار العلولا، بحسب المعلومات، فهو «عدم استخدام الحريري عبارة صاحب الجلالة خلال تلاوة كلمته. حيث أتى على ذكر الملك سلمان ثلاث مرات، فقال في إحداها: خادم الحرمين الشريفين، وفي مرة أخرى الملك سلمان، وفي الثالثة والأخيرة فقط سلمان بن عبد العزيز (بلا أيّ صفة).
أن تسقط كلمة صاحب الجلالة سهواً من خطاب لسعد الحريري «زحطة» لا يمكن «هضمها» بسهولة.



تمام سلام يهدّد... ويشكو
انتشرت عبر مواقع التواصل في اليومين الماضيين تسريبات عن وصول حقائب من المال إلى بيت الوسط مصدرها الرياض، لكنها في الواقع «ليست سوى إشاعات»، على حدّ تعبير مصادر في تيار المستقبل وأخرى في مطار بيروت الدولي. المصادر المستقبلية كشفت أن «الرياض حوّلت منذ حوالى عشرة أيام دفعة محدودة جداً، مخصّصة للماكينة الانتخابية في التيار، ولا تشمل الصرف على حملات المُرشحين على لوائح التيار». وقالت المصادر لـ»الأخبار» إن بعض المرشحين يعانون من أزمة مالية وتنظيمية تحدّ من حركتهم وحملاتهم، فضلاً عن التفاوت الملحوظ بين حملات المرشحين. هذا الواقع جعل رئيس الحكومة السابق تمّام سلام يبدي تذمره في الآونة الأخيرة. وتبين أن سلام قد اعتكف قبل فترة في منزله وهدّد بالانسحاب من المعركة الانتخابية في بيروت الثانية «لأن المستقبل لا يوليه أهمية»، ما اضطر الحريري إلى زيارته في منزله يوم الأحد الماضي «والوقوف على خاطره». وقالت المصادر إن «سلام اشتكى من إبراز عدد من المرشحين على لائحة التيار في بيروت الثانية على حسابه»، بدليل اليافطات والصور واللقاءات لمرشحين معينين بينما هو يشعر بأنه «مهمّش إلى حدّ كبير».