من بلدة مقنة (شمال مدينة بعلبك) إلى بلدة القاع الحدودية وجارتها مدينة الهرمل، عشرات البلدات والقرى تترامى فوق مساحة تقدر بنحو 800 كيلومتر مربع، ويسكنها نحو 360 ألفاً وأكثر من 90 ألف نازح سوري. كل هؤلاء يعتمدون في استشفائهم على 144 سريراً في ثلاثة مستشفيات فقط: «الهرمل الحكومي» و«البتول» (تابع للهيئة الصحية الاسلامية) في الهرمل، و«يونيفرسال» (خاص) في بلدة راس بعلبك. بحسبة بسيطة: هناك سرير لكل 2130 من سكّان المنطقة، فيما يُفترض أن يتوافر سرير لكل 350 مواطناً بحسب الخبير في ملفي الاستشفاء والدواء النائب السابق اسماعيل سكرية.

المستشفيات الثلاثة تعاني من نقص الكادر البشري والأجهزة الطبية ما يجعلها غير قادرة على استقبال الحالات الحرجة مثل الأزمات القلبية والجلطات على أنواعها والنزيف الدماغي والداخلي والتعامل مع إصابات حوادث السير وإطلاق النار وغيرها من الإصابات البليغة. وهي، بالمناسبة، الإصابات الأكثر شيوعاً في المنطقة. في العادة، تستدعي هذه الحالات نقلها الى بعلبك، على مسافة 70 كيلومتراً، حيث أقرب مستشفى مؤهل لعلاجها. مع ما ينطوي عليه ذلك من خطورة تدهور حالة المريض، فضلاً عن الحال السيئة لقسم كبير من طريق بعلبك ــــ الهرمل، ما يجعل الأمل بالنجاة ضئيلاً، خصوصاً أن غالبية المرضى والمصابين يُنقلون في سيارات مدنية.

تسجل وفيات الأطفال، قبل الولادة وخلالها وبعدها، ارتفاعاً كبيراً نتيجة العناية غير الصحيحة بالأم والطفل


إلى هذه المشاكل، تعاني المستشفيات الثلاثة من تدنّي السقوف المالية التي تخصصها وزارة الصحة للمرضى الذين يُعالجون على نفقتها. علماً أن هؤلاء يشكّلون غالبية في هذه المنطقة. إذ تبلغ «كوتا» كل من «الحكومي» و«البتول» ملياراً و350 ألف ليرة سنوياً (بمعدل 112 مليوناً و500 ألف ليرة شهرياً)، و«كوتا» الـ«يونيفرسال» 300 مليون سنوياً (25 مليوناً شهرياً). يصف أحد أطباء المنطقة هذه التغطية بـ«الكارثية»، نسبة إلى عدد السكان وغالبيتهم من الفقراء الذين لا ضمان أو تأمين صحياً خاصاً لديهم، بسبب افتقار المنطقة الى المؤسسات والشركات الكبيرة. ويلفت إلى أن السقف الشهري لبعض المستشفيات «أقل من كلفة إجراء جراحة واحدة في بعض مستشفيات العاصمة»!
رغم ذلك، تكمن أهمية هذه المستشفيات في أنها تخفف أعباء الاستشفاء عن المستشفيات المركزية، إذ «تشكّل مستشفياتنا خط الدفاع الأول الذي يزيح عن كاهل بيروت الحالات المتوسطة وما دون»، بحسب مدير «يونيفرسال» عبد الكريم أمون.

خلل مزدوج
يلفت سكرية إلى أن الواقع الاستشفائي في البقاع الشمالي يعاني «أزمة مزدوجة: خلل كبير في عدد المستشفيات نسبة إلى عدد السكان، وخلل آخر على مستوى الخدمة الصحية ونوعيتها ناجم أساساً عن ضعف المستوى العلمي للأطباء وللكادر التمريضي». وفي هذا السياق، يؤكد أمون أن «أعداد وفيات الأطفال في البقاع الشمالي كبيرة جداً، خصوصاً قبل الولادة وخلالها وبعدها، نتيجة العناية غير الصحيحة بالأم والطفل». من دون أن يعني ذلك، وفق سكرية، إغفال «مسؤولية وزارة الصحة التي ينخرها الفساد، ولا تملك سياسة صحية وطنية حقيقية، ولا توزع السقوف المالية على المستشفيات وفقاً للاحتياجات بل وفقاً لحسابات الزعامات السياسية». ما تحتاج اليه المنطقة، في رأي سكرية، «هو ربطها مع مستشفى مرجعي علمي تابع لإحدى الجامعات المرموقة لرفع مستوى الخدمة الطبية»، لافتاً إلى «فرصة تاريخية خسرتها منطقة البقاع نهاية التسعينيات عندما عرض مستشفى الجامعة الأميركية إدارة مستشفى بعلبك الحكومي. كانت فرصة أحبطها الفاسدون ورافعو الشعارات من بعض الحزبيين بالتواطؤ مع وزارة الصحة، لأن المستشفى الحكومي يبيض ذهباً، وربطه بمرجع علمي سيضر بمصالحهم».

نظام الطوارئ هو الحلّ
بحسب رئيس دائرة الإدارة والسياسة الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت فادي جردلي، «تلبية احتياجات المواطنين في المناطق النائية (under served) هو تحد تواجهه كل دول العالم وليس لبنان فقط، لناحية استقطاب العاملين الصحيين من أطباء وممرضين، وتأمين خدمات استشفاء شاملة تلبي احتياجات السكان»، مشيراً إلى أن الهرمل «لا تعدّ نائية نظراً لحجم لبنان بالمقارنة مع بلد كفرنسا مثلاً». ويوضح أن بعض الدول يعمد إلى مواجهة هذا التحدي بـ «تأمين نظام طوارئ فعال لنقل المريض إلى أقرب مكان يقدم له الخدمة اللازمة». يعدّد جردلي مشاكل عدة في القطاع الاستشفائي في البقاع الشمالي، فـ «المؤسسات الاستشفائية هناك، عموماً، غير مجهزة بسيارات إسعاف. أما تلك المجهزة فالعاملون فيها غير مدربين على تقديم الاسعافات العاجلة ونقل المريض بطريقة آمنة وسريعة، فيما سيارات الصليب الأحمر غير كافية لتلبية كل الحالات». أضف إلى ذلك، «سوء توزيع المؤسسات الصحية مقارنة مع الحاجات الاستشفائية التي شكّلت الحرب السورية عامل ضغط إضافياً عليها». والأهم، تبقى «قلة الثقة بالمستشفيات الحكومية التي تخضع لتأثيرات الواقع السياسي. إذ تلعب الواسطات الدور الرئيس في التوظيف في هذه المستشفيات بعيداً عن المعايير العلمية».

المستشفى الحكومي: جار المكبّ بلا صيانة


لا تختلف حال مستشفى الهرمل الحكومي عما تعانيه بقية المستشفيات الحكومية من ضعف الإمكانات والافتقار إلى كادر طبي وتمريضي يغطي كافة الاختصاصات. المستشفى (70 سريراً) الذي افتتح عام 2006، كان مؤملاً أن يؤمن الخدمات الصحية للمنطقة التي تعاني حرماناً مزمناً. لكن زيارة له، تكشف عن افتقاره للكثير من الخدمات الطبية، وحاجته للصيانة الدورية، فضلاً عن موقعه البعيد نسبياً عن المدينة. أما الطامة الكبرى فوقوعه بمحاذاة مكب عشوائي للنفايات.
يشكو المدير العام للمستشفى رئيس مجلس الإدارة سيمون ناصر الدين من تدني السقف المالي الذي تقدّمه وزارة الصحة، لافتاً الى زيادة الضغط على المستشفى بعد إقفال مستشفى خاص في المدينة الصيف الماضي، ناهيك عن ضغط النازحين السوريين الذين خُصص لهم واحد من الطوابق الثلاثة. ويشير الى عدم قدرة المستشفى على استقبال بعض الحالات نظراً الى غياب أطباء اختصاصيين. وعن سبب عدم التعاقد مع أطباء من خارج المنطقة وفق برنامج حوافز مالية، يعزو الأمر إلى أن «الاختصاصيين من غير أبناء المنطقة يخشون وضعها الأمني الحساس». والحل؟ «تأمين الاختصاصات مرهون بتخرّج شبان من أبناء المنطقة في الاختصاصات المطلوبة»! الجهاز التمريضي معضلة أخرى. يلفت ناصر الدين إلى «قرب افتتاح مركز للعناية بالأطفال، وهو أمر أساسي تفتقر إليه المنطقة، خصوصاً أننا نتحدث عن 6 إلى 7 ولادات أسبوعياً. لكن المشكلة تكمن في استقدام جهاز عناية تمريضية خاصة بالأطفال. إذ أن هذا الاختصاص نادر في البقاع».

مستشفى «البتول»: اختصاصات مفقودة
المستشفى التابع لحزب الله، كان مركزاً صحياً قبل أن يُطوّر إلى مستشفى في 2003. يتألف من 3 طبقات ويضم 54 سريراً. يعاني ضغطاً هائلاً من مرضى قضاء الهرمل (أكثر من 40 قرية وبلدة) والقرى المحيطة التابعة لقضاء بعلبك، إضافة إلى نحو 30 ألف لبناني يقطنون في قرى سورية محاذية للحدود اللبنانية. «سقف الكوتا الضعيف الذي خصصته الوزارة للمستشفى (مليار و350 ألف ليرة سنوياً بمعدل 112 مليوناً و500 ألف ليرة شهرياً)، لا يلبي حاجات أهل الهرمل فكيف الحال مع كل الضغط الآتي من المناطق الأخرى»، بحسب أحد الأطباء العاملين في المستشفى الذي تلجأ إدارته إلى خفض الفاتورة الصحية بعد انتهاء تغطية وزارة الصحة، كما أن «مؤسسة الإمداد الخيرية» التابعة لحزب الله تساعد في هذا الإطار.
يعاني المستشفى من غياب قسم جراحة الأعصاب والدماغ والقلب لعدم وجود الكادر البشري، «ففي الهرمل كلها لا وجود إلا لطبيبي قلب، فيما لا يوجد جراح قلب واحد»، بحسب المصدر نفسه. ويضيف: «لا يوجد في الهرمل سوى طبيب واحد يغطي قسم العناية بشكل دائم وهذا ما يحمله عبئاً كبيراً». ولمواجهة هذا النقص، يتعاون المستشفى مع التعبئة التربوية لحزب الله، عبر المركز الإسلامي للتوجيه والتعليم العالي، لتوجيه الطلاب إلى درس اختصاصات في الطب تملأ النقص. هذا التعاون أوصل المستشفى إلى الاكتفاء في أطباء الإنعاش والتخدير والأشعة وجراحة العظم، ولكن النقص لا يزال موجوداً في أطباء أمراض الأعصاب وجراحة الأعصاب.

مستشفى «يونيفرسال»: سقف الوزارة خمسة أيام
هو أقرب إلى مستوصف منه إلى مستشفى. يقع في رأس بعلبك، ويتألف من طابق واحد، ويضم 20 سريراً. يعزو مديره الدكتور عبد الكريم أمّون النقص في الخدمات الطبية الى أن «كل مؤسسة هي ابنة مجتمعها وبالتالي تخضع للموارد الموجودة في هذا المجتمع. فلو توفر في هذا المجتمع كادر طبي وتمريضي لانتفى النقص». رغم ذلك، يقول أمون، «دفعت مبالغ باهظة لاستقدام ممرضين وممرضات، ولكن سرعان ما تركوا العمل، نظراً الى بعد المسافات وما يستتبعه من تعب جسدي، وآخر نفسي نتيجة عدم تأقلمهم مع مجتمع لا يشبه ذلك الذي قدموا منه. فضلاً عن النظرة الاجتماعية التي تعتبر من يعمل في منطقة نائية سواء كان طبيباً أو ممرضاً غير مؤهل وإلا لما عمل هناك». ويضيف: «الناس هنا وضعها شحار، ولا أحد قادراً على دفع تكاليف طبابته. أما السقف المالي المخصص من الوزارة فلا يكفي حتى اليوم الخامس من بداية كل شهر». كما يلفت الى غياب الوعي الصحي في المنطقة، «فحتى من يُعالجون على نفقة الوزارة يتلكأون في الحضور إلى المستشفى، حتى تتفاقم حالتهم. وعندما يموت المريض في مثل هذه الحالات يُحمل المستشفى المسؤولية، وكثيراً ما تم تكسير قسم الطوارئ وضرب الأطباء والطاقم التمريضي وإمطار المستشفى بالرصاص بسبب ذلك».