لا يحتاج الأمر إلى تدقيق واسع لاكتشاف أن مؤتمر «باريس 4» لم يكن أكثر من أكذوبة تضاهي الأكاذيب المنتشرة في المهرجانات الانتخابية. بُنيت هذه الأكذوبة على الترويج لنجاح المؤتمر من خلال جمع 10.2 مليارات دولار على شكل قروض، على اعتبار أنها تفوق التوقعات التي راوحت بين 4 مليارات دولار و6 مليارات دولار، وأن هذه القروض مشروطة بإصلاحات خاضعة لرقابة دولية، ما يوحي بأن الفساد لن يدخل فيها، فضلاً عن أنها مقرونة بخطّة استثمارية لتنشيط الاقتصاد.

أوحى هذا الترويج بأن الحكومة عادت من باريس حاملة دعماً دولياً لمنع انهيار لبنان وتنشيط الاقتصاد ووأد الفساد. أما في الواقع، فإن هذه النتيجة مبنية على طبقات من الأكاذيب، أولها أن القروض التي وُعد لبنان بها، هي بنسبتها العظمى متوافرة له في أي وقت، ما دام يلتزم شروط المُقرض ومعاييره. في هذا المجال، لبنان مثل أي زبون آخر، يمكنه تقديم طلب قرض يموّل من البرامج السنوية للجهات المانحة ضمن استراتيجيات معينة تُحدّد المبلغ ووجهة صرفه على أساس أولويات، ومنها ملف اللاجئين السوريين على سبيل المثال. وليس غريباً ألا يستعمل لبنان، لأسبابه الخاصة، قروضاً بمئات ملايين الدولارات كان قد حصل عليها من البنك الدولي منذ سنوات.
في هذا السياق، تقول مصادر مطلعة، إن غالبية القروض التي رصدت للبنان في مؤتمر «باريس 4» تندرج في إطار المبالغ التي ترصدها الجهات المانحة في برامجها السنوية. أكبر مبلغ حصل عليه لبنان من جهة واحدة، هو مبلغ الـ4 مليارات دولار من البنك الدولي والتي رُصدت بحسب ممثلة البنك في المؤتمر كريستينا جورجييفا، على الشكل الآتي: «البنك سيوفّر على الأقل 500 مليون دولار سنوياً لتمويل برنامج المشروع الاستثماري. وعبر مؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار سيكون هناك دعم لتمويل القطاع الخاص الوارد ضمن البرنامج الاستثماري، بقيمة 500 مليون دولار على مدى السنوات الخمسة المقبلة، وسنواصل تمويل 200 مليون دولار سنوياً لدعم المجتمعات المضيفة واللاجئين».

القسم الأكبر من الـ4 مليارات دولار التي التزمها البنك الدولي مدرجة ضمن برنامج الإقراض السنوي


كلمة جورجييفا تدلّ على أن البنك الدولي لم يغيّر سياساته تجاه لبنان، فهو يوفّر قروضاً للدولة اللبنانية تنفق خصيصاً لدعم القطاع الخاص وفي محفظته مثل «مشروع دعم الابتكار في مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم»، وهو يقدّم اليوم قروضاً بقيمة 200 مليون دولار لمشاريع تتعلق بالنازحين السوريين مثل المشاريع الطائرة للخدمات الصحية والتعليمية وسواها... كذلك، يخصص البنك قروضاً لتمويل مشاريع المياه والصرف الصحي والكهرباء... هذه القروض متاحة للبنان من دون أي مؤتمر، وبحسب مصادر مطلعة، فإن قسماً كبيراً من مبلغ الـ4 مليارات دولار التي التزم البنك الدولي إقراضها للبنان، هي أصلاً مدرجة ضمن البرنامج السنوي، أما الحصول عليها، فهو يتطلب من لبنان إبداء رغبة في ذلك والتزامه معايير البنك الدولي لزبائنه.
من هذا المنظار، ليس لبنان سوى زبون إضافي يمكنه الاقتراض وفق شروط المُقرض. محفظة أعمال لبنان مع البنك الدولي تبلغ 4 مليارات دولار، بينها 2.8 مليار دولار منفذة منذ 1993 إلى اليوم، و1.5 مليار دولار قيد التنفيذ منذ 2010 إلى اليوم، أي بمعدّل 187 مليون دولار سنوياً! هذا يعني أن لبنان لم يتمكّن يوماً من هضم أو استعمال قرض سنوي من البنك الدولي بقيمة 1.2 مليار دولار.
هذا الوضع ينطبق على قروض الاتحاد الأوروبي، سواء عبر البنك الأوروبي للاستثمار أو برامج «سياسة الجوار» السنوية. لبنان لم يستفد من هذه البرامج، كما لم يستفد من قروض كثيرة رصدتها له جهات مانحة أخرى... أما الحالة الأكثر فجاجة في هذا المجال، فهي القرض السعودي بقيمة مليار دولار. هو أصلاً التزام سابق في مؤتمر «باريس 3»، لكن السعودية قرّرت وقف تنفيذ القرض للبنان لأسباب سياسية، وهي اليوم وعدت بإعادة النظر في الأسباب التي دفعتها إلى وقف التنفيذ. عملياً، هل يعني الوعد السعودي أن لبنان حصل على القرض؟ بأي شروط؟ بالطبع لا.
وينطبق على ذلك الوعد التركي بقرض قيمته 200 مليون دولار. هو اصلاً مرتبط بحصول شركات تركية على عقود تهمها في قطاعات محدّدة كالكهرباء والنقل، والحكومة التركية تشترط أن تخصّص التمويل الذي تقدمه للشركات التركية حصراً. شروط هذا النوع من القروض أسوأ بكثير من القروض الكويتية التي تشترط حصر تنفيذ المشاريع بتحالف شركات كويتية مع شركات لبنانية.
هذه القروض التي جرى التغني بها في ضوء باريس 4 ليست ناتجة من عمل استثنائي تمخّض عن المؤتمر برعاية سياسية دولية، وبورقة لبنانية فيها التزامات ببيع لبنان بالمفرّق أو تأجيره ليكون خاضعاً للشروط الدولية لفترة طويلة، وهي لا يمكن أن تنتج من «وعد بالإقراض»، لأن القروض متاحة دائماً والمقرض لا يخالف قواعد الإقراض لجهة تحديد الشروط المناسبة له... هذه هي حقيقة «باريس 4» الذي يكاد يكون أقل من بيان انتخابي محلي!