كما الساحات المركزية، يتّخذ «موقف» حي السلّم شكلًا دائريًا، تتفرّع منه زواريب ضيقة يمكن تسميتها، اصطلاحاً، «شوارع»: الحسينية، الطفيل، البعلبكي، الصحرا و«مدينة العباس». في «الشارع» المؤدي إلى «المدينة»، والمتعب من شدة الازدحام، تصدح أغنية «ديسباسيتو» البورتوريكية (despacito) من أحد المحال، إلى جانب تعاونية مقفلة ألصقت على بابها صور شهداء من أجيال عدة: من الثمانينات ومن الـ2010. على جنبات «الموقف»، تزدحم محال تجارية باتت غالبيتها تحمل أسماء «لاتينية». «Mago» (تعني «الساحر» بالإسبانية) لبيع الألبسة النسائية، و«Vitto» لبيع الأحذية، وهذا كان أول من أدخل «اللاتينية» إلى الحي الذي يتمتع بما يشبه الاكتفاء الذاتي. فالمحال هنا لا تبيع الثياب والأحذية فقط. هي، حرفياً، تبيع «كل شيء»: بياضات ومفروشات وسجاد وأدوات منزلية، ومطاعم أشهرها «بيتزا صالح» أحد «أهم معالم حي السلم» كما يصفه أحد أبناء المنطقة. يضحك الأخير عندما يسمع مصطلح «داون تاون حيّ السلم»: «موقف حي السلم أهم لأنه رخيص وفيه كلّ شيء. على كل حال تحت بالبلد ما في شي، وحتى لو في ما فيكي تشتري».

أعلام حزبية تنتشر بكثافة على أسطح البيوت والشرفات والمحال. مختبر بلافتة ملونة للتحاليل الطبية، يطلّ على شارع يعوم بالمجاري والقمامة. هناك أيضًا محمصة، أمامها موقف لسيارات النقل العمومي، تحمل الناس إلى خارج الحي، خصوصاً طلاب الجامعات (عدا الجامعة اللبنانية طبعا، التي يذهب إليها طلابها سيرًا على الأقدام). الكثير من «الفانات» بلوحات بيضاء، والقليل من الناس يكترثون. الدراجات النارية مركونة على جوانب الطرقات، وفي وسطها أحياناً. «خيمة اكسبرس» شهيرة في آخر الموقف تحوّلت ــــ بعد حملة إزالة المخالفات قبل شهور ــــ إلى موقف للسيارات المركونة بطريقة تجعل كل من يراها يتمنّى لو أن خيمة الاكسبرس بقيت مكانها. يلفت النظر وجود عددٍ من العاملات المنزليات الأجنبيات يجلن مع ربّات المنازل وهن يحملن أكياس الخضار وأدوات التنظيف وأكياسًا أخرى كثيرة. إذ من المفترض أن سكّان تلك المنطقة من «غير الميسورين». لافتات كثيرة، كتبت بخطّ اليد، لمحال «برسم البيع أو الإيجار» لعدم قدرة أصحابها على تسديد إيجاراتها التي تصل إلى حدود 2000 دولار» بحسب أحد أصحاب المحال، ولأن النازحين السوريين «أخذوا الكثير من طريق اللبنانيين».
يتحدث الحاج حاتم، هو صاحب «كاليري» في الموقف، عن أحوال الساحة. يقول إن «المنظر تغيّر بعد حملة ضاحيتي لنزع المخالفات»، مشيراً إلى أن «الفوضى انتهت، ولكن بالمعنى المجازي للكلمة». يتدخّل صديق كان يشاركه صحن الحمص: «الشي اللي مش قانوني راح، هيدا أهم شي»، قبل أن يكمل حاتم أن «خططاً كانت قد وضعت بهدف القيام بمشاريع لتطوير موقف حي السلم والعمل على تحسينه، كتنظيم الطرقات والإنارة وإنشاء دوّار وأحواض زراعية في وسط الطريق. قالوا انن رح يبلشوا الاثنين، صاروا 3 اثنينات وما اجوا». يمنّي النفس بأن «يأتوا الإثنين الجاي». في رأيه، إزالة المخالفات لا تؤثر على الاقتصاد في كل الأحوال، لسببٍ بسيط، وهو أن «الاقتصاد واقف». ينوي الحاج حاتم بيع أو تأجير محلّه لأن «ما في إجر، ما في عالم عم تشتري»، مستشهداً بقول مأثور: «عليكم بزحمة الأقدام». يفتقد حاتم الزحمة وسط كل هذا الازدحام! الكاليري الذي يملكه كان مقصوداً من طرابلس والجبل وجونية والبقاع والجنوب، بحسب جيرانه. الوضع اختلف اليوم. يطلق حاتم اسم «منطقة الفوضى» على حي السلم، فعدد سكانها «يبلغ حوالي 200000 نسمة اليوم، من دون خطط ولا من يخطّطون». إذ أن الحي لا يتبع لأي بلدية، ويقول مستهزئاً «نحن لسنا منطقة ناخبة. ليش بدو يهمّن أمرنا؟».
الناس «اعتادوا» هذا النسيان، يقول أحد المخاتير من منطقة البقاع. ويضيف: «تأقلموا مع الحياة التي يعيشونها». هو نفسه تأقلم، لسببٍ بسيط أن «حي السلّم طول عمره رح يضل هيك». في إحدى زوايا الساحة كان صاحب «بسطة» يدفع المياه بقدميه، ويهدي شتيمة لبنانية شهيرة لحيّ السلم... وللدولة.