اكتمل النقل بالزعرور. لم يكن ينقص وزير البيئة طارق الخطيب، لتتويج «انجازاته» في وزارة البيئة، إلا التقدم بمشروع مرسوم لتعيين ممثلي المجلس الاعلى للصيد البري تم وضعه على جدول اعمال مجلس الوزراء اليوم! أنهى الوزير كل الملفات الحساسة بنجاح، ولم يعد ينقص الوزارة الا ملف اختيار من يجب عليهم أن يحدّدوا انواع الطرائد الممكن والممنوع صيدها في لبنان... ليكتمل حمل حمار الوزارة الذي مشّاه وحده وزير البيئة في عهده، لا قبل العربة ولا بعدها، كما كنا نظن! وهو صاحب الانجاز الكبير، عندما تجرأ على فتح موسم الصيد العام الماضي، حيث لم يجرؤ الآخرون من الوزراء منذ عام 1997، وقت صدور القرار بالمنع الكلي للصيد البري في لبنان! وقد استند الخطيب، على ما يبدو، في قرار «فتح الموسم»، على دراسات تجار اسلحة الصيد وذخيرتها وشركات التأمين على حمل السلاح وسماسرة مراكز التدريب ومصدري التراخيص وبعض الجمعيات المنتفعة... التي اكدت له أن الطيور زادت كثيرا في لبنان، ويفترض قتلها بـ«انتظام»، حفاظا على التوازن الطبيعي!

يمكن وزير البيئة أن يفخر بتعبير «فتح الموسم» ومهامه وصلاحيته، وكأن هناك من زرع الطيور البرية واعتنى بها وتعب في تربيتها (مثل التفاح) وهي تنتظر من يفتتح موسم قطفها (قتلها) كل عام!
كما يمكنه أن يفخر في انه منح، في وقت قياسي (4 اشهر)، العام الماضي 16 ألف رخصة صيد (من اصل 600 ألف محتملة)، معظمها في جبل لبنان، في امكنة قلّت فيها الغابات والاحراج وقطعت أوصالها بالعمران العشوائي، وقلّ فيها حياء الصيادين في الصيد قرب المنازل (القانون يمنع الصيد على أقل من 500 متر عنها)، لصيد ما بقي من طيور، هي من أجمل الكائنات الباقية في لبنان (بعد أن هجر هذا البلد خيرة شبابه)، ولترك اطنان من البلاستيك والرصاص سنويا في الطبيعة.
كما تزامن اقتراح تعيين المجلس الاعلى للصيد مع اطلاق وزير البيئة امس، ايضا، مشروع للدعم التقني لهذا الملف، مع جمعية رئيستها كريمة مرشح للانتخابات متحالف مع الوزير المرشح في الدائرة الانتخابية نفسها! وهذا «الدعم» من أجل «التوعية» و«تخفيف الضغط عن الوزارة»، كما قيل في حفل اطلاق المشروع!
فإذا كانت الوزارة غير جاهزة ولا تزال تحتاج الى الدعم من «جمعية»، فلماذا تسرعت في فتح موسم الصيد العام الماضي؟!
وهل تغيرت مهام وأهداف «برنامج المنح الصغيرة»، التابع للامم المتحدة، حتى بات يمول هكذا مشاريع سياسية وانتخابية؟ ام لأنه بات يضم في لجنته «الوطنية»، الكثير من رجال الأعمال، حتى بات مدير هذا البرنامج (منذ العام 2005) من بين رجال الأعمال والسياسة الاهلية التقليدية (غير البيئية طبعا)؟!
قيل إن ابنة رئيس الجمهورية هي التي تدخلت في هذا الملف لتسريع اطلاق «الموسم» العام الماضي. ولكن لم يأت هذا التدخل لمصلحة الطيور، عبر مشروع لاعادة النظر في القانون رقم 580 الذي تم تعديله عام 2004 لناحية التشدد في حماية التوازن بين تطور ادوات الصيد وعدم تطور آليات الدفاع والحماية عند الطيور، مما يعني افناء الطيور بنهاية المطاف... واعادة الاعتبار الى المواد التي شطبها من القانون في الهيئة العامة لمجلس النواب العام 2004، لمصلحة تجار اسلحة الصيد وذخيرتها ونواديها، لا سيما تلك التي تمنع احداها الاتجار بالطيور حية أو ميتة، أو التي تسمح بالصيد بالأدوات التقليدية فقط كالقوس والنشاب… فلو كان العمل لإعادة إدخال هذه المواد، مع بعض الإجراءات الأكثر تشددا، لكان لـ«التدخل الرئاسي» معنى تاريخي اكبر، بدل الخضوع لآراء المنتفعين بالاتجار والتسلية بأضعف الكائنات واجملها، وبدل دعم هوايات القتل «المنظم» لها! ولكنا امام مشروع قانون عصري جديد يحمل عنوان «قانون حماية وتنظيم مراقبة حياة الطيور البرية في لبنان»، بدل قانون تنظيم صيد (قتل) الطيور.
والسؤال الأخير الذي يطرح للتاريخ، على الاعضاء «الخبراء» المقترح تعيينهم، بالاضافة الى ممثلي الوزارات والمؤسسات العامة، في عضوية المجلس الاعلى (اعلى مما وممن!؟) للصيد البري: من سيملك الجرأة العلمية والأخلاقية على تسمية الطيور المسموح قتلها، وبناء على أية معايير ودراسات عن أحوالها وأوضاعها واعدادها ووظيفتها الكاملة في الطبيعة؟ مع علمنا الأكيد أن ليس لدى وزارة البيئة مثل هذه الدراسات التي تتطلب فريقاً كبيراً ومتخصصاً من التقنيين المدربين على مراقبة الطيور في أماكن عيشها الأصلية في المواقع والبيئات والانظمة الايكولوجية كافة وعلى مدار السنة ولفترة لا تقل عن عشر سنوات...؟!